بازگشت

کيف اکتمل اعداده ليکون اماما؟


قالوا: کيف اکتمل إعداد القائم المنتظر (عليه السلام) مع أ نّه لم يعاصر أباه الامام العسکري إلاّ خمس سنوات تقريباً - وهي فترة الطفولة التي لا تکفي لانضاج شخصية القائد - فما هي الظروف التي تکامل من خلالها؟

والجواب: أنّ المهدي (عليه السلام) خلف أباه في إمامة المسلمين، وهذا يعني أ نّه کان إماماً بکلّ ما في الامامة من محتوي فکري وروحي في وقت مبکّر جدّاً من حياته الشريفة.

والامامة المبکّرة ظاهرة سبقه إليها عدد من آبائه (عليهم السلام)، فالامام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام) تولّي الامامة وهو في الثامنة من عمره، والامام عليّ بن محمّد الهادي تولّي الامامة وهو في التاسعة من عمره، والامام أبو محمّد الحسن العسکري والد القائد المنتظر تولّي الامامة وهو في الثانية والعشرين من عمره، ويلاحظ أنّ ظاهرة الامامة المبکّرة بلغت ذروتها في الامام المهدي (عليه السلام) والامام الجواد (عليه السلام)، ونحن نسمّيها ظاهرة لا نّها کانت بالنسبة إلي عدد من آباء المهدي (عليه السلام) تشکّل مدلولاً حسّياً عملياً، عاشه المسلمون ووعوه في تجربتهم مع الامام بشکل وآخر، ولا يمکن أن نطالب بإثبات لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوي من تجربة اُمّة، ونوضح ذلک ضمن النقاط التالية:

1- لم تکن إمامة الامام من أهل البيت مرکزاً من مراکز السلطان والنفوذ التي تنتقل بالوراثة من الاب إلي الابن ويدعمها النظام الحاکم کإمامة الخلفاء الفاطميين، وخلافة الخلفاء العباسيين، وإنّما کانت تکتسب ولاء قواعدها الشعبية



[ صفحه 567]



الواسعة عن طريق التغلغل الروحي والاقناع الفکري لتلک القواعد بجدارة هذه الامامة لزعامة الاسلام وقيادته علي اُسس روحية وفکرية.

2- إنّ هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الاسلام، وازدهرت واتّسعت علي عهد الامامين الباقر والصادق (عليهما السلام) وأصبحت المدرسة التي رعاها هذان الامامان، في داخل هذه القواعد، تشکّل تياراً فکرياً واسعاً في العالم الاسلامي، يضمّ المئات من الفقهاء والمتکلّمين والمفسّرين والعلماء في مختلف ضروب المعرفة الاسلامية والبشرية المعروفة وقتئذ، حتّي قال الحسن بن عليّ الوشّاء: إنّي دخلت مسجد الکوفة فرأيت فيه تسعمائة شيخ کلّهم يقولون حدّثنا جعفر بن محمّد (عليه السلام).

3- إنّ الشروط التي کانت هذه المدرسة وما تمثّله من قواعد شعبية في المجتمع الاسلامي، تؤمن بها وتتقيّد بموجبها في تعيين الامام والتعرّف علي کفاءته للامامة شروط شديدة، لا نّها تؤمن بأنّ الامام لا يکون إماماً إلاّ إذا کان أعلم علماء عصره.

4- إنّ المدرسة وقواعدها الشعبية کانت تقدّم تضحيات کبيرة في سبيل الصمود علي عقيدتها في الامامة، لا نّها کانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشکّل خطّاً عدائياً، ولو من الناحية الفکرية علي الاقلّ، الامر الذي أدّي إلي قيام السلطات وقتئذ - باستمرار تقريباً - بحملات من التصفية والتعذيب، فقُتِل من قُتل، وسُجن من سُجن، ومات في ظلمات المعتقلات المئات. وهذا يعني أنّ الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) کان يکلّفهم غالياً، ولم يکن له من الاغراءات سوي ما يحسّ به المعتقد أو يفترضه من التقرّب إلي الله تعالي والزلفي عنده.

5- إنّ الائمة الذين دانت هذه القواعد لهم بالامامة لم يکونوا معزولين عنها



[ صفحه 568]



ولا متقوقعين في بروج عالية شأن السلاطين مع شعوبهم، ولم يکونوا يحتجبون عنهم إلاّ أن تحجبهم السلطة الحاکمة بسجن أو نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الکبير من الرواة والمحدّثين عن کلّ واحد من الائمة الاحد عشر، ومن خلال ما نقل من المکاتبات التي کانت تحصل بين الامام ومعاصريه، وما کان الامام يقوم به من أسفار من ناحية، وما کان يبثّه من وکلاء في مختلف أنحاء العالم الاسلامي من ناحية اُخري، وما کان قد أعتاده الشيعة من تفقّد أئمّتهم وزيارتهم في المدينة المنوّرة عندما يؤمّون الديار المقدّسة من کلّ مکان لاداء فريضة الحجّ، کلّ ذلک يفرض تفاعلاً مستمرّاً بدرجة واضحة بين الامام وقواعده الممتدّة في أرجاء العالم الاسلامي بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.

6- إنّ الخلافة المعاصرة للائمة (عليهم السلام) کانت تنظر إليهم وإلي زعامتهم الروحية والامامية بوصفها مصدراً خطيراً کبيراً علي کيانها ومقدّراتها، وعلي هذا الاساس بذلت کلّ جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وتحمّلت في سبيل ذلک کثيراً من السلبيّات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينما اضطرّها تأمين مواقعها إلي ذلک، وکانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرّة للائمة أنفسهم علي الرغم ممّـا يخلّفه ذلک من شعور بالالم أو الاشمئزاز عند المسلمين وللناس الموالين علي اختلاف درجاتهم.

إذا أخذنا هذه النقاط الستّ بعين الاعتبار، وهي حقائق تأريخية لا تقبل الشکّ، أمکن أن نخرج بنتيجة وهي: أنّ ظاهرة الامامة المبکّرة کانت ظاهرة واقعية ولم تکن وهماً من الاوهام، لانّ الامام الذي يبرز علي المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحياً وفکرياً للمسلمين، ويدين له بالولاء والامامة، کلّ ذلک التيار الواسع لا بدّ أن يکون علي قدر واضح وملحوظ، بل وکبير من العلم والمعرفة



[ صفحه 569]



وسعة الاُفق والتمکّن من الفقه والتفسير والعقائد، لا نّه لو لم يکن کذلک لما أمکن أن تقتنع تلک القواعد الشعبية بإمامته مع ما تقدّم من أنّ الائمة کانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم، وللاضواء المختلفة أن تسلّط علي حياتهم وموازين شخصيّتهم.

فهل تري أنّ صبيّاً يدعو إلي إمامة نفسه، وينصب منها علماً للاسلام، وهو علي مرأي ومسمع من جماهير قواعده الشعبيّة، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلک الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تکلّف نفسها اکتشاف حالة، وبدون أن تهزّها ظاهرة هذه الامامة المبکّرة، لاستطلاع حقيقة الموقف، وتقييم هذا الصبيّ الامام؟

وهَبْ أنّ الناس لم يتحرّکوا لاستطلاع الموقف، فهل يمکن أن تمرّ المسألة أياماً وشهوراً بل أعواماً دون أن تتکشّف الحقيقة علي الرغم من التفاعل الطبيعي المستمرّ بين الصبي الامام وسائر الناس؟

وهل من المعقول أن يکون صبيّاً في فکره وعلمه حقّاً ثمّ لا يبدو ذلک من خلال هذا التفاعل الطويل؟

وإذا افترضنا أنّ القواعد الشعبية لامامة أهل البيت (عليهم السلام) لم يتح لها أن تکتشف واقع الامر، فلماذا سکتت الخلافة القائمة ولم تعمل لکشف الحقيقة إذا کانت في صالحها؟ وما کان أيسر ذلک علي السلطة القائمة لو کان الامام الصبي صبياً في فکره وثقافته - کما هو المعهود في الصبيان - وما کان أنجحه من اُسلوب أن تقدّم هذا الصبيّ إلي شيعته وغير شيعته علي حقيقته، وتبرهن علي عدم کفاءته للامامة والزعامة الروحية والفکريّة.

فلئن کان من الصعب الاقناع بعدم کفاءة شخص في الاربعين أو الخمسين قد



[ صفحه 570]



أحاط بقدر کبير من ثقافة عصره لتسلّم الامامة، فليس هناک صعوبة في الاقناع بعدم کفاءة صبي اعتيادي مهما کان ذکياً وفطناً للامامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الاماميون، وکان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقّدة وأساليب القمع والمجازفة التي أنتجتها السلطات وقتئذ.

إنّ التفسير الوحيد لسکوت الخلافة المعاصرة، عن اللعب بهذه الورقة، هو أ نّها أدرکت أنّ الامامة المبکّرة ظاهرة حقيقية وليست شيئاً مصطنعاً.

والحقيقة أ نّها أدرکت ذلک بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلک الورقة فلم تستطع، والتأريخ يحدّثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها، بينما لم يحدّثنا إطلاقاً عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الامامة المبکّرة أو واجه فيه الصبيّ الامام إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه.

وهذا معني ما قلناه من أنّ الامامة المبکّرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت وليست مجرّد افتراض، کما أنّ هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتدّ عبر الرسالات والزعامات الربانية، ويکفي مثالاً لظاهرة الامامة المبکّرة في التراث الرباني لاهل البيت (عليهم السلام) يحيي (عليه السلام) إذ قال الله سبحانه وتعالي: (يَا يَحْيَي خُذِ الکِتَابَ بِقُوَّة وَآ تَيْنَاهُ الحُکْمَ صَبِيّاً) [1] .

ومتي ثبت أنّ الامامة المبکّرة ظاهرة واقعية ومتواجدة فعلاً في حياة أهل البيت، لم يعد هناک اعتراض فيما يخصّ إمامة المهدي (عليه السلام) وخلافته لابيه وهو صغير [2] .



[ صفحه 571]




پاورقي

[1] مريم: 12.

[2] بحث حول المهدي (عليه السلام) / الشهيد الصدر: 27 ـ 32.