بازگشت

محمد بن عيسي البحراني


کانت البحرين تحت الانتداب البريطاني، وقد عيّنت عليها حاکماً مسلماً سنّياً متعصّباً، ليکون أدعي للتفرقة والسيطرة علي الاکثرية الشيعية من أتباع مذهب أهل البيت في البحرين، والتحکّم في شعبها.



[ صفحه 238]



ومن سياسة المستعمر «فرّق تسد» أن جعل حاکمها من الاقليّة السنّية حتّي يأمن عدم اتّفاقهم علي المستعمر، وکان له وزير أشدّ منه تعصّباً ونصباً وعداوةً للشيعة، وکان يتحيّن الفرص، ويدسّ الدسائس والحيل في إهلاکهم والاضرار بهم والتنکيل.

وفي بعض الايام دخل هذا الوزير علي الحاکم وبيده رمّانة، فقدّمها للحاکم فإذا مکتوب عليها: «لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، وأبو بکر وعمر وعثمان وعليّ خلفاء رسول الله».

فتأمّل الوالي فرأي الکتابة من أصل الرمّانة، بحيث لا يحتمل عنده أن تکون من صناعة البشر، فتعجّب من ذلک، وقال للوزير: هذه آية بيّنة وحجّة قويّة علي إبطال مذهب الرافضة، فما رأيک في أهل البحرين؟ فقال له: أصلحک الله، إنّ هؤلاء جماعة متعصّبون، ينکرون البراهين، وينبغي أن تحضرهم وتريهم هذه الرمّانة، فإن قبلوا ورجعوا إلي مذهبنا کان لک الثواب الجزيل بذلک، وإن أبوا إلاّ المقام علي ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث: إمّا أن يؤدّوا الجزية وهم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه الاية البيّنة التي لا محيص لهم عنها، أو تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وأولادهم، وتأخذ بالغنيمة أموالهم!!

فاستحسن الوالي رأيه، وأرسل إلي العلماء، والافاضل الاخيار والنجباء، والسادة الابرار من أهل البحرين وأحضرهم، وأراهم الرمّانة، وأخبرهم بما رأي فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف، من القتل والاسر وأخذ الاموال، أو أخذ الجزية علي وجه الصغار کالکفّار فتحيّروا في أمرها، ولم يقدروا علي جواب، وتغيّرت وجوههم، وارتعدت فرائصهم.

فقال کبراؤهم: أمهلنا أ يّها الامير ثلاثة أيام لعلّنا نأتيک بجواب ترتضيه،



[ صفحه 239]



وإلاّ فاحکم فينا ما شئت، فأمهلهم، فخرجوا من عنده خائفين مرعوبين متحيّرين.

فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلک، فاتّفق رأيهم علي أن يختاروا من صلحاء البحرين وزهّادهم عشرة، ففعلوا ثمّ اختاروا من العشرة ثلاثة، فقالوا لاحدهم: اُخرج الليلة إلي الصحراء واعبد الله فيها، واستغث بإمام زماننا وحجّة الله علينا، لعلّه يبيّن لک ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء.

فخرج وبات طوال ليلته متعبّداً خاشعاً داعياً باکياً، يدعو ويستغيث بالامام (عليه السلام)، حتّي أصبح ولم يرَ شيئاً، فأتاهم وأخبرهم، فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع کصاحبه، ولم يأتهم بخبر، فازداد قلقهم وجزعهم.

فأحضروا الثالث، وکان تقيّاً فاضلاً اسمه محمّد بن عيسي، فخرج الليلة الثالثة حافياً حاسر الرأس إلي الصحراء، وکانت ليلة مظلمة، فدعا وبکي، وتوسّل إلي الله تعالي في خلاص هؤلاء المؤمنين، وکشف هذه البليّة عنهم، واستغاث بصاحب الزمان.

فلمّـا کان في آخر الليل إذا هو برجل يخاطبه ويقول: يا محمّد بن عيسي، ما لي أراک علي هذه الحالة، ولماذا خرجت إلي هذه البريّة؟ فقال له: أ يّها الرجل دعني، فإنّي خرجت لامر عظيم وخطب جسيم لا أذکره إلاّ لامامي، ولا أشکوه إلاّ إلي من يقدر علي کشفه عنّي.

فقال: يا محمّد بن عيسي، أنا صاحب الامر، فاذکر حاجتک، فقال: إن کنت هو فأنت تعلم قصّتي، ولا تحتاج إلي أن أشرحها لک، فقال له: نعم، خرجت لما دهمکم من أمر الرمّانة وما کتب عليها، وما أوعدکم الامير به.

قال محمّد بن عيسي: فلمّـا سمعت ذلک توجّهت إليه وقلت له: نعم يا مولاي، لانت تعلم ما أصابنا، وأنت إمامنا وملاذنا والقادر علي کشفه عنّا.



[ صفحه 240]



فقال صلوات الله عليه: يا محمّد بن عيسي، إنّ الوزير لعنه الله في داره شجرة رمّان، فلمّـا حملت تلک الشجرة صنع شيئاً من الطين علي هيئة الرمّانة [1] ، وجعلها نصفين، وکتب في داخل کلّ نصف بعض تلک الکتابة، ثمّ وضعهما علي الرمّانة، وشدّهما عليها وهي صغيرة، فأثّر فيها وصارت هکذا، فإذا مضيتم غداً إلي الوالي فقل له: جئتک بالجواب، ولکنّي لا اُبديه لک إلاّ في دار الوزير، فإذا مضيتم إلي داره فانظر عن يمينک فتري غرفة، فقل للوالي: لا اُجيبک إلاّ في تلک الغرفة، وسيأبي الوزير ذلک، فبالغ أنت في ذلک ولا ترضَ إلاّ بالصعود إليها، فإذا صعد فاصعد معه ولا تترکه يتقدّم عليک، فإذا دخلت الغرفة رأيت فيها کوّة فيها کيس أبيض، فانهض إليه وخذه ترَ فيه تلک الطينة التي عملها لهذه الحيلة، ثمّ ضعها أمام الوالي، وضع الرمّانة فيها لينکشف له جليّة الحال.

يا محمّد بن عيسي، قل للوالي أيضاً: إنّ لدينا معجزة اُخري، وهي أنّ هذه الرمّانة ليس فيها إلاّ الرماد والدخان، وإن أردت صحّة ذلک فمر الوزير بکسرها، فإذا کسرها طار الرماد والدخان علي وجهه ولحيته.

فلمّـا سمع محمّد بن عيسي ذلک من الامام فرح فرحاً شديداً، وقبّل الارض بين يدي الامام صلوات الله عليه، وانصرف إلي أهله بالبشارة والسرور.

فلمّـا أصبحوا مضوا إلي الوالي، ففعل محمّد بن عيسي کلّ ما أمره الامام، وظهر کلّ ما أخبره، فالتفت الوالي إلي محمّد بن عيسي وقال له: من أخبرک بهذا؟ فقال: إمام زماننا وحجّة الله علينا، فقال: ومن إمامکم؟ فأخبره بالائمة واحداً بعد واحد، إلي أن انتهي إلي صاحب الامر، صلوات الله عليهم.



[ صفحه 241]



فقال الوالي: مدّ يدک، فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الخليفة من بعده بلا فصل أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، ثمّ أقرّ بالائمة إلي آخرهم (عليهم السلام)، وحسن إيمانه.

وهذه القصّة مشهورة عند أهل البحرين، وقبر محمّد بن عيسي عندهم معروف يزوره الناس [2] .


پاورقي

[1] قالب مجوّف.

[2] منتهي الامال 2: 620.