بازگشت

جعل أنبياءه بشراً


الاحتجاج: أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي: ج2 ص285 - 288: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (قدس سره) قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: کنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه مع جماعة منهم علي بن عيسي القصري، فقام إليه رجل فقال له: أريد أن أسألک عن شيء.

فقال له: سل عما بدا لک.

فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي (عليه السلام) أهو ولي الله؟

قال: نعم.

قال: أخبرني عن قاتله؟ لعنه الله أهو عدو لله؟

قال: نعم.

قال الرجل: فهل يجوز أن يسلط الله تعالي عدوه علي وليه؟

فقال أبو القاسم قدس الله روحه:...

افهم عني ما أقول لک: اعلم أن الله تعالي لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان [1] ولا يشافههم بالکلام [2] ولکنه جلت عظمته يبعث إليهم من أجناسهم وأصنافهم بشراً مثلهم، ولو بعث إليهم رسلاً من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم [3] فلما جاءوهم وکانوا من جنسهم يأکلون الطعاه ويمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم بشر مثلنا لا نقبل منکم حتي تأتونا بشيء نعجز من أن نأتي بمثله، فنعلم أنکم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها [4] .

فمنهم: من جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار فغرق جميع من طغي وتمرد [5] .

ومنهم: من ألقي في النار فکانت عليه برداً وسلاماً [6] .

ومنهم: من أخرج من الحجر الصلب الناقة، وأجري من ضرعها لبناً [7]

ومنهم: من فُلق له البحر وفجر له من العيون وجعل له العصا اليابسة ثعباناً تلقف ما يأفکون [8] .

ومنهم: من أبرأ الأکمه والأبرص وأحيي الموتي بإذن الله، وأنبأهم بما يأکلون وما يدخرون في بيوتهم [9] .

ومنهم: من انشق له القمر وکلمته البهائم، مثل البعير والذئب وغير ذلک [10] .

فلما أتوا بمثل ذلک وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله، وکان من تقدير الله جل جلاله، ولطفه بعباده وحکمته: أن جعل أنبيائه مع هذه المعجزات في حال غالبين وأخري مغلوبين وفي حال قاهرين وأخري مقهورين، ولو جعلهم الله في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل، ولما عرف فضل صبرهم علي البلاء والمحن والاختيار، ولکنه جعل أحوالهم في ذلک کأحوال غيرهم، ليکونوا في حال المحنة والبلوي صابرين، وفي حال العافية والظهور علي الأعداء شاکرين، ويکونوا في جميع أحوالهم متواضعين، غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد: أن لهم (عليهم السلام) إلهاً هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتکون حجة الله ثابتة علي من تجاوز الحد فيهم، وادعي لهم الربوبية، أو عاند وخالف، وعصي وجحد [11] بما أتت به الأنبياء والرسل، وليهلک من هلک عن بينة، ويحيي من حي عن بينة [12] .


پاورقي

[1] فالله لا يخاطب الناس وجهاً لوجه، لأن الله ليس بجسم والجسم الکثيف - وحده - هو الذي يمکن مشاهدته بالرؤية البصرية إذا کان في حيز الضوء، لأن صورته تنعکس في عدسة العين التي تنقلها إلي الدماغ، حيث يتم فحصها وتميزها، وأما الأجسام اللطيفة والطاقات فلا يمکن رؤيتها بالعين، وإنما تعرف بتأثيراتها علي الأجسام الکثيفة، فکيف بالله الذي ليس بجسم ولا طاقة؟ فلا يمکن - بأي حال من الأحوال - مشاهدته عن طريق الرؤية البشرية، کل ما هنالک أنه يعرف أصل وجوده من خلال مخلوقاته، وتعرف صفاته وأسمائه بعضها بالعقل أيضاً وبعضها الآخر بواسطة رسله الذين يعرفونها بوحي منه سبحانه:...

[2] الفارق بين المشاهدة والمشافهة، أن المشاهدة مستحيلة، والمشافهة ممکنة، فإنه قد يشافه بعض رسله، کما شافه موسي بن عمران في جبل الطور حيث خلق الکلام في شجرة الزيتون فتجاوب معه موسي بن عمران، وکما شافه الرسول الأکرم (صلّي الله عليه وآله) في ليلة المعراج حيث خلق الکلام في حجب النور، فتحاور معه النبي (صلي الله عليه وآله). ومن الممکن أن يخلق الله کلاماً في الفضاء أو في بقعة معينة کالکعبة، بحيث يسمعه کل بلغته ويتناجي معه الناس مباشرة، ولکن الأرواح العادية لا تتحمل مخاطبة الله قبل أن تتکامل، وتبلغ المستوي الذي تبلغه يوم القيامة حيث يسمعون کلام الله، علي ما يظهر من بعض الروايات.

[3] إن الناس العاديين لا يکتفون بالتوجيه الذهني المجرد، وإلا لاکتفوا برسول العقل وإنما يحتاجون إلي قائد يسير أمامهم، ويقول لهم: سيروا ورائي، وإلي أسوة يعمل ويقول لهم: اعملوا مثلما أعمل فإذا کان قائدهم وأسوتهم منهم لم يجدوا بداً من اللحاق والتأسي به، أو الاعتراف بتقصيرهم وانحرافهم، وإذا کان قائدهم وأسوتهم من غيرهم - کالملائکة مثلاً - لا يجدون حرجاً من التخلف عنه وإعذار أنفسهم - حتي فيما ليسوا معذورين - بأن هذا ملک لا يشعر بما نشعر ولا يعاني مما نعاني، وليس لنا اللحاق والتأسي به.

فلذلک بعث الله رسله إلي عامة الناس بشراً، وبعث رسله إلي المتفوقين من الناس - وهم الأنبياء - ملائکة. لأن الأنبياء بلغوا مستوي يؤهلهم لتحديد قدراتهم، وتمييز ما يقدرون حقاً عما لا يقدرون حقاً، فهم يکتفون بالتوجيه الذهبي المجرد من القائد والأسوة، ويستطيعون القيام بدور القائد والأسوة.

[4] إثباتاً لعلاقتهم بالله عز وجل.

[5] وهو نوح (عليه السلام).

[6] وهو إبراهيم الخليل (عليه السلام).

[7] وهو صالح (عليه السلام).

[8] وهو موسي بن عمران (عليه السلام).

[9] وهو عيسي ابن مريم (عليه السلام).

[10] وهو الرسول الأعظم (صلّي الله عليه وآله) ويلاحظ أن الترتيب جاء حسب التسلسل الزمني دون الدرجات الرسالية.

[11] يلاحظ أن الأنبياء والأوصياء الذين کانوا في مستوي التعامل مع الطاقات الماورائية، وبعضهم کان من أصحاب الصلاحيات الکونية، قلما کانوا يستخدمونها إلا لإثبات علاقتهم بالله أي لإثبات رسالاتهم فقط، فکانوا ينظمون حياتهم الشخصية والاجتماعية وحتي عملهم الرسالي بالوسائل العادية تماماً کسائر الأفراد، فلماذا؟

والأسباب لهذه الظاهرة کثيرة لعل أهمها:

الأول: حتي لا يغالي فيهم أصحاب العقول القاصرة، فيؤلهوهم دون الله.

الثاني: أن يواصلوهم سيرهم التکاملي في هذه الحياة، والسير التکاملي لا يتم بدون معاناة. وهذان السببان مذکوران في هذا الحديث.

ويمکن استنتاج سبب ثالث، وهو:

أن الله بعث الأنبياء وأردفهم بالأوصياء لأمرين: الأول أن يبلغوا رسالاته. الثاني أن يکونوا أسوة لمن سواهم، وإذا کانوا يعيشون حياة معجزية کان الناس يعذرون أنفسهم في التخلف عنهم.

[12] قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق (قدس سره): فعدت إلي الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس سره) في الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذکر لنا ما ذکر يوم أمس من عند نفسه؟

فابتدأني وقال: يا محمد بن إبراهيم لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مکان سحيق أحب إلي من أول أقول في دين الله برأيي، ومن عند نفسي، بل ذلک عن الأصل ومسموع من الحجة صلوات الله عليه وسلامه.