بازگشت

مع إبراهيم بن مهزيار


الشيخ الصدوق (قدس سره) (في کمال الدين) ج2 ص121 عن ابن المتوکل، عن الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار - وذکر قصة طويلة في بحثه عن صاحب الأمر (عليه السلام) - بعد وفاة أبيه الإمام الحسن العسکري (عليه السلام)، حتي لقي صاحب الأمر (عليه السلام) ووصفه فيما وصفه - بأنه ناصع اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخدين، أقني الأنف، أشم أروع کأنه غصن بان، وکأن صفحه غرته کوکب دري، بخده الأيمن خال، کأنه فتاتة مسک علي بياض الفضة، فإذا برأسه وفرة سحماء سبطة، تطالع شحمة أذنه، له سمت ما رأت العيون أقصد منه، ولا أعرف حسناً وسکينة وحياءً.

فلما مثل لي أسرعت إلي تلقيه، فأکببت عليه ألثم کل جارحة منه، فقال لي: مرحباً بک يا أبا إسحاق، لقد کانت الأيام تعدني وشک لقائک، والمعاتب بيني وبينک علي تشاحط الدار، وتراخي المزار تتخيل لي صورتک حتي کأن لم نخل طرفة عين عن طيب المحادثة وخيال المشاهدة وأنا أحمد الله ربي ولي الحمد علي ما قيض لي من التلاقي، ورفه من کربة التنازع والاستشراف.

ثم سألني: عن إخواني متقدمه ومتأخرهم فقلت: بأبي أنت وأمي ما زلت أفحص عن أمرک بلداً فبلداً منذ استأثر الله بسيدي أبي محمد (عليه السلام) فاستغلق علي ذلک حتي من الله علي بمن أرشدني إليک ودلني عليک، والشکر لله علي ما أودعني فيک من کريم اليد والطول.

وهنا ملاحظات يستحب منا الإلفات إليها:

(الأولي) إبراهيم بن مهزيار هذا هو والد علي بن إبراهيم بن مهزيار، الذي ذکرنا له قصة أخري مع صاحب الأمر (عليه السلام)، وحديثاً بينهما، وکلاهما - الأب والابن - وکيلان للناحية المقدسة، وهما وعائلتهما من العوائل الجليلة عند أهل البيت (عليهم السلام) وعند الشيعة، وفيهم علماء وأتقياء.

(الثانية) استقرب البعض اتحاد هذه الرواية مع رواية علي بن إبراهيم بن مهزيار، لکنه في غير محله، إذ أن الأب والابن کلاهما وکيلان للناحية المقدسة، فما المانع في أن يکون کل واحد منهما قد تشرف بمکالمة ولقاء صاحب الأمر (عليه السلام)؟

وموافقة بعض الخصوصيات - لکونهما في مکة، ومنها إلي الطائف وغير ذلک - لا تکون قرينة علي اتحاد القضية، إذ هناک فوارق کثيرة أخري بينهما.

(الثالثة) نذکر فيما يلي تفسير بعض الکلمات الواردة:

(ناصع) خالص، (أبلج) عدم مزج الحاجبين، بل الفصل بينهما، (مسنون) أي: غير منتفخ، (أشم أروع) ممدود الأنف امتداداً رائعاً نضراً، (بان) شجر رائع القوام يضرب به المثل في الطول والاستواء، (غرته) أي: وجهه، (فتاتة مسک) قطعة مسک، والمسک طيب أسود اللون يضرب به المثل، (وفرة) کثرة من الشعر، (سحماء) سوداء (سبطة) - بکسر وفتح الباء - مترسلة غير متجعدة، (تطالع شحمة أذنه) أي: متدلية إلي شحمة الأذن، (سمت) هيئة أهل الخير، (أقصد) أحسن، (وحياءً) أي: منه.

(ألثم) أقبل (وشک) قرب (المعاتب) وقت الرضا (تشاحط) تباعد.

(قيض) هيأ (التنازع) الاشتياق.

(استأثر الله) اختار الله لنفسه (والطول) المنة.

إن أبي (صلي الله عليه) عهد إلي أن لا أوطّن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها [1] إسراراً لأمري، وتحصيناً لمحلي من مکائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال [2] فنبذني إلي عيالة الرمال [3] ، وجبت حرائم الأرض [4] ، تنظرني الغاية التي عندها يحل الأمر، وينجلي الهلع [5] .

وکان (صلوات الله عليه) أنبط [6] لي من خزائن الحکم وکوامن العلوم ما إن أشعّت إليک منه جزاءً أغناک عن الجملة.

اعلم يا أبا إسحاق أنه قال (صلوات الله عليه): يا بني إن الله جل ثناؤه لم يکن ليخلي أطباق أرضه، وأهل الجد في طاعته وعبادته، بلا حجة يستعلي بها، وإمام يؤتم به، ويقتدي بسبل سننه ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تکون أحد من أعده الله لنشر الحق وطي الباطل، وإعلاء الدين وإطفاء الضلال، فعليک يا بني بلزوم خوافي الأرض، وتتبع أقاصيها، فإن لکل ولي من أولياء الله عز وجل عدواً مقارعاً، وضداً منازعاً افتراضاً لمجاهدة أهل نفاقه وخلافه، أولي الإلحاد والعناد فلا يوحشنک ذلک [7] .

واعلم: أن قلوب أهل الطاعة والإخلاص نُزّع إليک مثل الطير إذا أمّت أوکارها. وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستکانة، وهم عند الله بررة أعزاء، يبرزون بأنفس مختلة محتاجة وهم أهل الطاعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه علي مجاهد الأضداد، حفهم الله باحتمال الضيم ليشملهم باتساع العز في دار القرار، وجبلهم علي خلائق الصبر لتکون لهم العاقبة الحسني وکرامة حسن العقبي [8] .

فاقتبس يا بني نور الصبر علي موارد أمورک، تفز بدرک الصنع في مصادرها، واستشعر العزة فيما ينوبک تحظ بما تحمد عليه إن شاء الله.

فکأنک يا بني بتأييد [9] نصر الله قد آن وتيسير الفلح وعلو الکعب قد حان وکأنک بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق علي أثناء أعطافک ما بين الحطيم وزمزم، وکأنک بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليک تناظم الدر في مثاني العقود، وتصافق الأکف علي جنبات الحجر الأسود، تلوذ بفنائک من ملأ برأهم الله من طهارة الولاء ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق لينة عرائکم للدين، خشنة ضرائبهم عق العدوان واضحة بالقبول أوجههم، نظرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله [10] .

فإذا اشتدت أرکانهم وتقومت أعمالهم قدّت بمکاثفتهم، طبقات الأمم إذ تبعتک في ظلال شجرة، دوحة بسقت أفنان غصونها علي حافات بحيرة الطبرية [11] .

فعندها يتلألأ صبح الحق، وينجلي ظلام الباطل، ويقسم الله بک الطغيان ويعيد معالم الإيمان، ويظهر بک أسقام الآفاق، وسلام الرفاق، يود الطفل في المهد لو استطاع إليک نهوضاً، وتواسط الوحش لو تجد نحوک مجازاً [12] .

تهتز بک أطراف الدنيا بهجة وتهز بک أغصان العز نضرة، وتستقر بواني العز في قرارها، وتؤوب شوارد الدين إلي أوکارها، يتهاطل عليک سحائب الظفر فتخنق کل عدو، وتنصر کل ولي، فلا يبقي علي وجه الأرض جبار قاسط، ولا جاحد غامط، ولا شانئ مبغض، ولا معاند کاشح [13] (ومن يتوکل علي الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لکل شيء قدرا) [14] .

ثم قال (عليه السلام): يا أبا إسحاق ليکن مجلسي هذا عندک مکتوماً، إلا عن أهل الصدق والأخوة الصادقة في الدين، إذا بدت لک أمارات الظهور والتمکين فلا تبطئ بإخوانک عنا وبأهل المسارعة إلي منار اليقين [15] وضياء مصابيح الدين تلق رشداً إن شاء الله.

قال إبراهيم بن مهزيار:... فلما أزف [16] ارتحالي وتهيأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودعاً ومجدداً للعهد وعرضت عليه مالاً کان معي يزيد علي خمسين ألف درهم وسألته أن يتفضل بالأمر بقبوله مني فابتسم (عليه السلام) وقال:

يا أبا إسحاق استعن به علي منصرفک فإن الشقة قذفة، وفلوات الأرض أمامک جمة، ولا تحزن لإعراضنا عنه فإنا قد أحدثنا لک شکره ونشره، وأربضناه عندنا بالتذکرة وقبول المنة، فتبارک الله لک فيما خولک، وأدام لک ما نولک وکتب لک أحسن ثواب المحسنين، وأکرم آثار الطائعين، فإن الفضل له ومنه [17] .

واسأل الله أن يردک إلي أصحابک بأوفر الحظ من سلامة الأوبة، وأکناف الغبطة، بلين المنصرف، ولا أوعث الله لک سبيلاً، ولا حيرک دليلاً، واستودعه نفسک وديعة لا تضيع ولا تزول بمنه ولطفه إن شاء الله [18] .

يا أبا إسحاق إن الله قنعنا بعوائد إحسانه، وفوائد امتنانه وصان أنفسنا عن معاونة أوليائه إلا عن الإخلاص في النية وإمحاض النصيحة، والمحافظة علي ما هو أتقي وأبقي وأرفع ذکراً [19] .

قال [إبراهيم بن مهزيار]: فأقفلت عنه حامداً لله عز وجل علي ما هداني وأرشدني...


پاورقي

[1] أبعدها.

[2] جمع (ضالة).

[3] کناية عن الجبال.

[4] جبت: ردت، صرائم: الأراضي القاحلة الخالية من بناء أو زرع أو سکن.

[5] الجزع.

[6] (انبط) وصل حفار البئر إلي الماء.

[7] (خوافي) جمع: خافية (مقارعاً) منازعاً.

[8] (نزع) کرکع. مشتاقون (أمت) قصدت (أوکار) جمع: وکر؛ مسکن الطائر (مخائل): فطان (الضيم) الظلم.

[9] تأييد، وتيسير بالتنوين مطوعان عن الإضافة (الکعب) الشرف والمجد.

[10] (أعطافک) أطرافک. (بترادف) توارد (يتناظم) ينتظم (مثاني العقود) العقود المثنية لا تتبدد (جنبات) أطراف (عرائک) جمع عريکة: الطبيعة (ضرائب) جمع ضريبة، حد السيف (نظرة) جميلة (عيدان) جمع: عود الغصن.

[11] (مکاثفة) الاجتماع. (تبعتک): بايعتک (دوحة) الشجرة العظيمة (بسقت) طالت (حافات) أطراف (طبرية) في أقرب الموارد: بلدة بجانب بحيرة الجليل، ولعل المقصود بها البحر الميت، وقد ورد في الأحاديث الشريفة أن صاحب الأمر (عليه الصلاة والسلام) يأتي إلي بيت المقدس فيخرج ألواح التوراة من تحت الأرض، ويري علماء اليهود اسمه الکريم وصفاته في تلک الألواح، فتؤمن به اليهود إماماً ويعترفون بنبوة نبي الإسلام محمد بن عبد الله (صلّي الله عليه وآله) ولعل هذه الجملة إشارة إلي ذلک.

[12] (أسقام الآفاق) يعني: أن أهل الآفاق من سائر الملل والأديان کانوا في أسقام وأمراض روحانية (وسلام الرفاق) أن رفقاءک کانوا سالمين عن الأسقام الروحانية لأن عقائدهم کانت صحيحة (تواسط) أي: الوحوش الصعبة الکاسرة، کناية عن الأمن والارتياح في أکناف صاحب الأمر (عليه السلام).

[13] (بواني العز) أسسه (تؤوب) ترجع (شوارد الدين) کناية عما ترک من أحکام الله تعالي (يتهاطل) ينصب کانصباب المطر (قاسط) أي: ظالم، وهو من أضداد اللغة (غامط) محقر للحق وأهله (کاشح) الذي يعطي للحق کشحه أي: ظهره.

[14] سورة الطلاق: آية3.

[15] يعني: إذا ظهر أمر الله تعالي فکن أنت ممن تأتي إلينا بالمؤمنين، ولعل من هذا يستکشف أن إبراهيم بن مهزيار من أنصار الحجة (عليه السلام) عند الرجعة، ومن قواده (عليه السلام).

[16] اقترب.

[17] (منصرفک): مسيرک في الرجوع إلي بلدک (الشقة) الطريق. ويقال له الشقة علي السالک قطعة (قذفة) تقذف بمن يسلمها (نشره) امتداده وبسطه (أربضناه) هيأناه (نولک) أنعم الله.

[18] (الأوبة) الرجوع إلي الأهل والبلد (أکناف) أطراف (أوعث) أتعب (استودعه نفسک) أجعلک وديعة عند الله تعالي.

[19] (عوائد) متکررات (عن معاونه أوليائه) أي: لا نحتاج إلي إعانتهم لنا (أتقي) أکثر التقوي (أبقي) أکثر بقاءً (أرفع ذکراً) المقصود بذلک الإيمان الخالص.