بازگشت

1 - فصل في الكلام في الغيبة


- فصل في الكلام في الغيبة

إعلم أن لنا في الكلام في غيبة صاحب الزمان عليه السلام طريقين.

أحدهما: أن نقول: إذا ثبت وجوب الامامة في كل حال، وأن الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أن يخلو من رئيس في وقت من الاوقات، وأن من شرط الرئيس أن يكون مقطوعا على عصمته، فلا يخلو ذلك الرئيس من أن يكون ظاهرا معلوما، أو غائبا مستورا، فإذا علمنا أن كل من يدعي له الامامة ظاهرا ليس بمقطوع على عصمته، بل ظاهر أفعالهم وأحوالهم ينافي العصمة، علمنا أن من يقطع على عصمته غائب مستور.

وإذا علمنا أن كل من يدعي له العصمة قطعا من هو غائب من الكيسانية والناووسية والفطحية والواقفة وغيرهم قولهم باطل، علمنا بذلك صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام وصحة غيبته وولايته، ولا نحتاج(1) إلى تكلف الكلام في إثبات ولادته، وسبب غيبته، مع ثبوت ما ذكرناه، لان(2) الحق لا يجوز خروجه عن الامة.

والطريق الثاني: أن نقول: الكلام في غيبة ابن الحسن عليه السلام فرع على ثبوت إمامته، والمخالف لنا إما أن يسلم لنا إمامته ويسأل عن سبب غيبته

________________________________

(1) في نسخة " ن " يحتاج.

(2) في الاصل ونسخة " ح " ولان.

(*)

[4]



عليه السلام فنتكلف(1) جوابه، أو لا يسلم لنا إمامته فلا معنى لسؤاله عن غيبة من لم يثبت إمامته، ومتى نوزعنا في ثبوت(2) إمامته دللنا عليها بأن نقول: قد ثبت وجوب الامامة مع بقاء التكليف على من ليس بمعصوم في جميع الاحوال والاعصار بالادلة القاهرة، وثبت أيضا أن من شرط الامام أن يكون مقطوعا على عصمته وعلمنا أيضا أن الحق لا يخرج عن الامة.

فإذا ثبت ذلك وجدنا الامة بين أقوال: بين قائل يقول: لا إمام، فما ثبت من وجوب الامامة في كل حال يفسد قوله.

وقائل يقول: بإمامة من ليس بمقطوع على عصمته، فقوله يبطل بما دللنا عليه من وجوب القطع على عصمة الامام عليه السلام.

ومن ادعى العصمة لبعض من يذهب إلى إمامته، فالشاهد يشهد بخلاف قوله، لان أفعالهم الظاهرة وأحوالهم تنافي العصمة، فلا وجه لتكلف القول فيما نعلم ضرورة خلافه.

ومن ادعيت له العصمة وذهب قوم إلى إمامته كالكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنفية، والناووسية القائلين بإمامة جعفر بن محمد عليه السلام، وأنه لم يمت والواقفية(3) الذين قالوا: إن موسى بن جعفر عليه السلام لم يمت، فقولهم باطل من وجوه سنذكرها.

فصار الطريقان محتاجين إلى فساد قول هذه الفرق ليتم ما قصدناه ويفتقران إلى إثبات الاصول (الثلاثة)(4) التي ذكرناها من وجوب الرئاسة، ووجوب القطع على العصمة، وأن الحق لا يخرج عن الامة، ونحن ندل على كل واحد من

________________________________

(1) في البحار ونسخة " ف " فنكلف.

(2) في نسخة " ن " إثبات.

(3) في نسختي " ح، ن " الواقفة.

(4) ليس في نسخة " ف ".

(*)

[5]



هذه الاقوال بموجز من القول لان استيفاء ذلك موجود في كتبي في الامامة على وجه لا مزيد عليه.

والغرض بهذا الكتاب ما يختص الغيبة دون غيرها والله الموفق لذلك بمنه.

والذي يدل على وجوب الرئاسة ما ثبت من كونها لطفا في الواجبات العقلية فصارت واجبة، كالمعرفة التي لا يعرى(1) مكلف من وجوبها عليه، ألا ترى أن من المعلوم أن من ليس بمعصوم من الخلق متى خلوا من رئيس مهيب يردع المعاند ويؤدب الجاني، ويأخذ على يد المتغلب، ويمنع القوي من الضعيف، وأمنوا ذلك، وقع الفساد، وانتشر الحيل، وكثر الفساد، وقل الصلاح، ومتى كان لهم رئيس هذه صفته كان الامر بالعكس من ذلك، من شمول الصلاح وكثرته، وقلة الفساد ونزارته، والعلم بذلك ضروري لا يخفى على العقلاء، فمن دفعه لا يحسن مكالمته، وأجبنا عن كل ما يسأل على(2) ذلك مستوفى في تلخيص الشافي(3) وشرح الجمل لا نطول بذكره ها هنا.

ووجدت لبعض المتأخرين كلاما اعترض به كلام المرتضى (ره) في الغيبة وظن أنه ظفر بطائل فموه به على من ليس له قريحة ولا بصر بوجوه النظر وأنا أتكلم عليه.فقال: الكلام في الغيبة والاعتراض عليها من ثلاثة أوجه.

أحدها: أنا نلزم(4) الامامية ثبوت وجه قبح فيها أو في التكليف معها فيلزمهم أن يثبوا أن الغيبة ليس فيها وجه قبح، لان مع ثبوت وجه القبح تقبح الغيبة، وإن ثبت فيها وجه حسن كما نقول في قبح تكليف ما لا يطاق (أن فيه وجه قبح)(5) وإن كان فيه وجه حسن بأن يكون لطفا لغيره.

________________________________

(1) في نسخة " ن " لا يعرف.

(2) في نسخة " ف " عن.

(3) تلخيص الشافي: 1 / 59 الطريقة الاولى.

(4) في نسخة " ن " أن تلزم، وفي البحار: أن نلزم.

(5) في نسختي " ف، م " أنه وجه قبح.

وفي نسخة " ن " أنه وجه أقبح.

(*)

[6]



والثاني: أن الغيبة تنقض طريق وجوب الامامة في كل زمان، لان كون الناس مع رئيس مهيب متصرف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفا واجبا في كل حال، وقبح التكليف مع فقده لانتقض(1) بزمان الغيبة، لانا في زمان الغيبة نكون مع رئيس هذه صفته(2) أبعد من القبيح، وهو دليل وجوب هذه الرئاسة، ولم يجب وجود رئيس هذه صفته(3) في زمان الغيبة ولا قبح التكليف مع فقده، فقد وجد الدليل ولا مدلول وهذا نقض الدليل.

والثالث: أن يقال: إن الفائدة بالامامة هي كونه مبعدا من القبيح على قولكم، وذلك لا يحصل مع وجوده غائبا فلم ينفصل وجوده من عدمه، وإذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلكم(4) وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد، ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة، فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال.

الكلام عليه أن نقول: أما الفصل الاول من قوله: " إنا نلزم الامامية أن يكون في الغيبة وجه قبح " وعيد منه محض لا يقترن به حجة، فكان ينبغي أن يتبين وجه القبح الذي أراد إلزامه إياهم لننظر(5) فيه ولم يفعل، فلا يتوجه وعيده.

وإن قال ذلك سائلا على وجه: " ما أنكرتم أن يكون فيها وجه قبح ".

فإنا نقول: وجوه القبح معقولة من كون الشئ ظلما وعبثا وكذبا ومفسدة وجهلا وليس شئ من ذلك موجودا ها هنا، فعلمنا بذلك انتفاء وجود(6) القبح.

فإن قيل: وجه القبح أنه لم يزح علة المكلف على قولكم، لان انبساط يده

________________________________

(1) في نسخة " ن " لا ينقص وفي نسختي " أ، م " لا ينقض.

(2) في نسخ " أ، ن، م " سبيله وفي نسخة " ف " سبيله (صفته خ ل).

(3) في نسخة " ف " صفته (سبيله خ ل).

(4) في نسخ " أ، ح، ف، م، ن " دليلهم.

(5) في نسخة " ن " ننظر.

(6) في نسخ " أ، ف، م " وجوه.

(*)

[7]



الذي هو لطف في الحقيقة والخوف من تأديبه لم يحصل، فصار ذلك إخلالا بلطف المكلف فقبح لاجله.

قلنا: (قد)(1) بينا في باب وجوب الامامة بحيث أشرنا إليه أن انبساط يده عليه السلام والخوف من تأديبه إنما فات المكلفين لما يرجع إليهم، لانهم أحوجوه إلى الاستتار بأن أخافوه ولم يمكنوه فأتوا من قبل نفوسهم.

وجرى ذلك مجرى أن يقول قائل: " من لم يحصل له معرفة الله تعالى في تكليفه وجه قبح " لانه لم يحصل ما هو لطف له من المعرفة، فينبغي أن يقبح تكليفه.

فما يقولونه ها هنا من أن الكافر أتي من قبل نفسه، لان الله قد نصب له الدلالة(2) على معرفة ومكنه من الوصول إليها، فإذا لم ينظر ولم يعرف أتي في ذلك من قبل نفسه ولم يقبح ذلك تكليفه، فكذلك نقول: إنبساط يد الامام وإن فات المكلف فإنما أتي من قبل نفسه، ولو مكنه لظهر وانبسطت يده فحصل لطفه فلم يقبح تكليفه، لان الحجة عليه لا له.

وقد استوفينا نظائر ذلك في الموضع الذي أشرنا إليه، وسنذكر فيما بعد إذا عرض ما يحتاج(3) إلى ذكره.

وأما الكلام في الفصل الثاني: فهو مبني على المغالطة ولا نقول: إنه لم يفهم ما أورده، لان الرجل كان فوق ذلك لكن أراد التلبيس والتمويه (في قوله)(4): إن دليل وجوب الرئاسة ينتقض بحال الغيبة، لان كون الناس مع رئيس مهيب(5) متصرف أبعد من القبيح لو اقتضى كونه لطفا واجبا على كل حال وقبح التكليف مع فقده لانتقض(6) بزمان الغيبة [لانا في زمان الغيبة](7) فلم يقبح التكليف مع فقده، فقد وجد الدليل ولا مدلول وهذا نقض.

________________________________

(1) ليس في نسخة " ن ".

(2) في نسخة " ن " الدلالات.

(3) في نسخ " أ، ف، م " نحتاج.

(4) بدل ما بين القوسين في نسخ " أ، ف، م، ح " وهو قوله.

(5) في نسخة " ن " موجب.

(6) في نسختي " ف، ح " ينتقض (لانتقض ظ)، وفي البحار ينتقض.

(7) من نسخ " أ، م، ف ".

(*)

[8]



وإنما قلنا: إنه تمويه لانه ظن أنا نقول: إن في حال الغيبة دليل وجوب الامامة قائم ولا إمام فكان نقضا، ولا نقول ذلك، بل دليلنا في حال وجود الامام بعينه هو دليل حال غيبته، في أن في الحالين الامام لطف فلا نقول: إن زمان الغيبة خلا من وجوب(1) رئيس، بل عندنا أن الرئيس حاصل، وإنما ارتفع انبساط يده لما يرجع إلى المكلفين على ما بيناه، لا لان انبساط يده خرج من كونه لطفا بل وجه اللطف به قائم، وإنما لم يحصل لما يرجع إلى غير الله.

فجرى مجرى أن يقول قائل: كيف يكون معرفة الله تعالى لطفا مع أن الكافر لا يعرف الله، فلما كان التكليف على الكافر قائما والمعرفة مرتفعة(2) دل على أن المعرفة ليست لطفا على كل حال لانها لو كانت كذلك لكان ذلك نقضا.

وجوابنا في الامامة كجوابهم في المعرفة من أن الكافر لطفه قائم بالمعرفة وإنما فوت نفسه بالتفريط في النظر المؤدي إليها فلم يقبح تكليفه، فكذلك نقول: الرئاسة لطف للمكلف في حال الغيبة، وما يتعلق بالله من إيجاده حاصل، وإنما ارتفع تصرفه وانبساط يده لامر يرجع إلى المكلفين فاستوى الامران، والكلام في هذه المعنى مستوفى أيضا بحيث ذكرناه.

وأما الكلام في الفصل الثالث: من قوله: إن الفائدة بالامامة هي كونه مبعدا من القبيح على قولكم، وذلك لم يحصل مع غيبته، فلم ينفصل وجوده من عدمه، فإذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلكم وجوب وجوده مع الغيبة، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد، ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة، فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال.

فإنا نقول: إنه لم يفعل في هذا الفصل أكثر من تعقيد القول على طريقة المنطقيين من قلب المقدمات ورد بعضها على بعض، ولا شك أنه قصد بذلك المتويه والمغالطة، وإلا فالامر أوضح من أن يخفى.

________________________________

(1) في البحار: وجود.

(2) في نسخة " ن " من نفعته.

(*)

[9]



ومتى قالت الامامية: إن انبساط يد الامام لا يجب في حال الغيبة حتى يقول: دليلكم لا يدل على وجوب إمام غير منبسط اليد، لان هذه حال(1) الغيبة، بل الذي صرحنا به دفعة بعد أخرى أن انبساط يده واجب في الحالين (في)(2) حال ظهوره وحال غيبته، غير أن حال ظهوره مكن منه فانبسطت يده وحال الغيبة لم يمكن فانقبضت يده، لا(3) أن انبساط يده خرج من باب الوجوب.

وبينا أن الحجة بذلك قائمة على المكلفين من حيث منعوه ولم يمكنوه فأتوا(4) من قبل نفوسهم، وشبهنا ذلك بالمعرفة دفعة بعد أخرى.

وأيضا فانا نعلم أن نصب الرئيس واجب بعد الشرع لما في نصبه من اللطف لتحمله للقيام(5) بما لا يقوم به غيره، ومع هذا فليس التمكين واقعا لاهل الحل والعقد من نصب من يصلح لها خاصة على مذهب أهل العدل الذين كلامنا معهم، ومع هذا لا يقول أحد: إن وجوب نصب الرئيس سقط الآن من حيث لم يقع التمكين منه.

فجوابنا في غيبة الامام جوابهم في منع أهل الحل والعقد من اختيار من يصلح للامامة، ولا فرق بينهما فإنما(6) الخلاف بيننا أنا قلنا: علمنا ذلك عقلا، وقالوا ذلك معلوم شرعا، وذلك فرق من غير موضع الجمع.

فإن قيل: أهل الحل والعقد إذا لم يمكنوا(7) من اختيار من يصلح للامامة فإن الله يفعل ما يقوم مقام ذلك من الالطاف فلا يجب إسقاط التكليف، وفي الشيوخ من قال إن الامام يجب نصبه في الشرع لمصالح دنياوية، وذلك غير واجب أن يفعل لها اللطف.

قلنا: أما من قال: نصب الامام لمصالح دنياوية قوله يفسد: لانه لو كان كذلك لما وجب إمامته، ولا خلاف بينهم في أنه يجب إقامة الامام مع الاختيار.

________________________________

(1) في نسخة " ن " حالة.

(2) ليس في نسختي " أ، ف ".

(3) في الاصل: إلا.

(4) في نسخة " ن " فأتموا.

(5) في نسخة " ف " والبحار: القيام.

(6) في نسخ " م، ف، ن " وإنما.

(7) في البحار: لم يتمكنوا.

(*)

[10]



على أن ما يقوم به الامام من الجهاد وتولية الامراء والقضاة وقسمة الفئ واستيفاء الحدود والقصاصات أمور دينية لا يجوز تركها، ولو كان لمصلحة دنياوية لما وجب ذلك، فقوله ساقط بذلك.

وأما من قال: يفعل الله ما يقوم مقامه باطل، لانه لو كان كذلك لما وجب عليه إقامة الامام مطلقا على كل حال، ولكان يكون ذلك من باب التخيير، كما نقول في فروض الكفايات.وفي علمنا بتعيين ذلك ووجوبه على كل حال دليل على فساد ما قالوه.على أنه يلزم على الوجهين جميعا المعرفة.

بأن يقال: الكافر إذا لم يحصل له المعرفة يفعل الله له ما يقوم مقامها، فلا يجب عليه المعرفة على كل حال.

أو يقال: إن(1) ما يحصل من الانزجار عن(2) فعل الظلم عند المعرفة أمر دنياوي لا يجب لها المعرفة، فيجب من ذلك إسقاط وجوب المعرفة، ومتى قيل: إنه لا بدل للمعرفة، قلنا: وكذلك لا بدل للامام على ما مضى - وذكرناه في تلخيص الشافي - وكذلك إن بينوا أن الانزجار من القبيح عند المعرفة أمر ديني قلنا: مثل ذلك في وجود الامام سواء.

فإن قيل: لا يخلو وجود رئيس مطاع منبسط اليد من أن يجب على الله جميع ذلك أو يجب علينا جميعه أو يجب على الله إيجاده وعلينا بسط يده.

فإن قلتم: يجب جميع ذلك على الله، فإنه ينتقض بحال الغيبة لانه لم يوجد إمام منبسط اليد، وإن وجب علينا جميعه فذلك تكليف ما لا يطاق، لانا لا نقدر على إيجاده، وإن وجب عليه إيجاده وعلينا بسط يده وتمكينه فما دليلكم عليه، مع أن فيه أنه يجب علينا أن نفعل ما هو لطف للغير، وكيف يجب على زيد بسط يد الامام لتحصيل(3) لطف عمرو، وهل ذلك إلا نقض الاصول.

________________________________

(1) في نسخة " ح " إنه.

(2) في نسخة " ن " على.

(3) في نسخة " ف " والبحار: ليحصل وكذا في نسختي " أ، م ".

(*)

[11]



قلنا: الذي نقوله أن وجود الامام المنبسط اليد إذا ثبت أنه لطف لنا على ما دللنا عليه ولم يكن إيجاده في مقدورنا لم يحسن أن نكلف إيجاده لانه تكليف ما لا يطاق، وبسط يده وتقوية سلطانه قد يكون في مقدورنا وفي مقدور الله، فإذا لم يفعل الله تعالى علمنا أنه غير واجب عليه وأنه واجب علينا، لانه لابد من أن يكون منبسط اليد ليتم الغرض بالتكليف، وبينا(1) بذلك أن بسط يده لو كان من فعله تعالى لقهر الخلق عليه، والحيلولة بينه وبين أعدائه وتقوية أمره بالملائكة ربما(2) أدى إلى سقوط الغرض بالتكليف، وحصول الالجاء، فإذا يجب علينا بسط يده على كل حال وإذا لم نفعله أتينا من قبل نفوسنا.

فأما قولهم: في ذلك إيجاب اللطف علينا للغير غير صحيح.

لانا نقول: إن كل من يجب عليه نصرة الامام وتقوية سلطانه له في ذلك مصلحة تخصه، وإن كانت فيه مصلحة يرجع إلى غيره كما نقوله في أن الانبياء يجب عليهم تحمل أعباء النبوة والاداء إلى الخلق ما هو مصلحة لهم، لان لهم في القيام بذلك مصلحة تخصهم وإن كانت فيها مصلحة لغيرهم.

ويلزم المخالف في أهل الحل والعقد بأن يقال: كيف يجب عليهم اختيار الامام لمصلحة ترجع إلى جميع الامة، وهل ذلك إلا إيجاب الفعل عليهم لما يرجع إلى مصلحة غيرهم، فأي شئ أجابوا به فهو جوابنا بعينه سواء(3).

فإن قيل: لم زعمتم أنه يجب إيجاده في حال الغيبة وهلا جاز أن يكون معدوما.

قلنا: إنما أوجبنا [ذلك](4) من حيث إن تصرفه الذي هو لطفنا إذا لم يتم إلا بعد وجوده وإيجاده لم يكن في مقدورنا، قلنا عند ذلك: أنه يجب على الله ذلك وإلا أدى إلى أن لا نكون مزاحي العلة بفعل اللطف فنكون أتينا من قبله تعالى لا

________________________________

(1) في نسختي " أ، ف " تبينا.

(2) في نسخة " ف " وبما (ربما ظ) وفي البحار ونسخة " أ " وبما.

(3) في الاصل ونسخة " ح " سواه.

(4) من نسخ " أ، ف، م " وفي البحار: أوجبناه.

(*)

[12]



من قبلنا، وإذا أوجده ولم نمكنه من انبساط يده أتينا من قبل نفوسنا فحسن التكليف وفي الاول لم يحسن.

فإن قيل: ما الذي تريدون بتمكيننا إياه ؟ أتريدون أن نقصده ونشافهه وذلك لا يتم إلا مع وجوده.

قيل لكم: لا يصح جميع ذلك إلا مع ظهوره وعلمنا أو علم بعضنا بمكانه.

وإن قلتم: نريد بتمكيننا أن نبخع(1) لطاعته(2) والشد على يده، ونكف عن نصرة الظالمين، ونقوم على نصرته متى دعانا إلى إمامته ودلنا عليها(3) بمعجزته(4).

قلنا لكم: فنحن يمكننا ذلك في زمان الغيبة وإن لم يكن الامام موجودا فيه، فكيف قلتم لا يتم ما كلفناه من ذلك إلا مع وجود الامام.

قلنا: الذي نقوله في هذا الباب ما ذكره المرتضى رحمه الله في الذخيرة وذكرناه في تلخيص الشافي(5) أن الذي هو لطفنا من تصرف الامام وانبساط يده لا يتم إلا بأمور ثلاثة.

أحدها: يتعلق بالله وهو إيجاده.

والثاني: يتعلق به من تحمل أعباء الامامة والقيام بها.

والثالث: يتعلق بنا من العزم على نصرته، ومعاضدته، والانقياد له، فوجوب تحمله عليه فرع على وجوده، لانه لا يجوز أن يتناول التكليف المعدوم، فصار إيجاد الله إياه أصلا لوجوب قيامه، وصار وجوب نصرته علينا فرعا لهذين الاصلين لانه إنما يجب علينا طاعته إذا وجد، وتحمل أعباء الامامة وقام بها،

________________________________

(1) في نسخ " أ، م، ف، ح " ننجع.

(2) في البحار: بطاعته.

(3) في نسخة " ف " عليه.

(4) في نسختي " أ، م " بمعجزاته.

(5) تلخيص الشافي: 1 / 79 - 80.

(*)

[13]



فحينئذ يجب علينا طاعته، فمع هذا التحقيق كيف يقال: لم لا يكون معدوما.

فإن قيل: فما الفرق بين أن يكون موجودا مستترا (حتى إذا علم الله منا تمكينه أظهره، وبين أن يكون)(1) معدوما حتى إذا علم منا العزم على تمكينه أوجده.

قلنا: لا يحسن من الله تعالى أن يوجب علينا تمكين من ليس بموجود لانه تكليف ما لا يطاق، فإذا لابد من وجوده.

فإن قيل: يوجده الله تعالى إذا علم أنا ننطوي على تمكينه بزمان واحد كما أنه يظهره عند مثل ذلك.

قلنا: وجوب تمكينه والانطواء على طاعته لازم في جميع أحوالنا، فيجب أن يكون التمكين من طاعته والمصير إلى أمره ممكنا في جميع الاحوال وإلا لم يحسن التكليف، وإنما كان يتم ذلك لو لم نكن مكلفين في كل حال لوجوب طاعته والانقياد لامره، بل كان يجب علينا عند ظهوره والامر عندنا بخلافه.

ثم يقال لمن خالفنا في ذلك وألزمنا عدمه على استتاره: لم لا يجوز أن يكلف الله تعالى المعرفة ولا ينصب عليها دلالة إذا علم أنا لا ننظر فيها، حتى إذا علم من حالنا أنا نقصد إلى النظر ونعزم على ذلك أوجد الادلة ونصبها، فحينئذ ننظر ونقول ما الفرق بين دلالة منصوبة لا ننظر فيها وبين عدمها حتى إذا عزمنا على النظر فيها أوجدها الله تعالى.

ومتى قالوا: نصب الادلة من جملة التمكين الذي لا يحسن التكليف من دونه كالقدرة والآلة.

قلنا: وكذلك وجود الامام عليه السلام من جملة التمكين من وجوب طاعته، ومتى لم يكن موجودا لم تمكنا طاعته، كما أن الادلة إذا لم تكن موجودة لم يمكنا النظر فيها فاستوى الامران.

________________________________

(1) ليس في البحار، وفيه: أو معدوما.

(*)

[14]



وبهذا التحقيق يسقط جميع ما يورد في هذا الباب من عبارات لا نرتضيها في الجواب وأسئلة المخالف عليها، وهذا المعنى مستوفى في كتبي وخاصة في تلخيص الشافي فلا نطول بذكره.

والمثال الذي ذكره من أنه لو أوجب الله علينا أن نتوضأ من ماء بئر معينة لم يكن لها حبل نستقي به، وقال لنا: إن دنوتم من البئر خلقت لكم حبلا تستقون به [من](1) الماء، فإنه يكون مزيحا لعلتنا، ومتى لم ندن من البئر كنا قد أتينا من قبل نفوسنا لا من قبله تعالى.

وكذلك لو قال السيد لعبده وهو بعيد منه: اشتر لي لحما من السوق، فقال: لا أتمكن من ذلك لانه ليس معي ثمنه، فقال: إن دنوت أعطيتك ثمنه، فإنه يكون مزيحا لعلته، ومتى لم يدن لاخذ الثمن يكون قد أتي من قبل نفسه لا من قبل سيده، وهذه حال ظهور الامام مع تمكيننا فيجب أن يكون عدم تمكيننا هو السبب في أن لم يظهر في هذه الاحوال لا عدمه، إذ كنا لو مكناه عليه السلام لوجد وظهر.

قلنا: هذا كلام من يظن أنه يجب علينا تمكينه إذا ظهر ولا يجب علينا ذلك في كل حال، ورضينا بالمثال الذي ذكره، لانه تعالى(2) لو أوجب علينا الاستقاء في الحال لوجب أن يكون الحبل حاصلا في الحال لان به تزاح العلة، لكن إذا قال: متى دنوتم من البئر خلقت لكم الحبل إنما هو مكلف للدنو لا للاستقاء فيكفي القدرة على الدنو في هذه الحال، لانه ليس بمكلف للاستقاء(3) منها(4)، فإذا دنا من البئر صار حينئذ مكلفا للاستقاء(5)، فيجب عند ذلك أن يخلق له الحبل، فنظير ذلك أن لا يجب علينا في كل حال طاعة الامام وتمكينه فلا يجب عند

________________________________

(1) من نسخ " أ، م، ف، ن " والبحار.

(2) في نسخ " أ، ف، م " لان الله تعالى.

(3) في نسخة " ن " للاستسقاء.

(4) في نسخة " أ، ف، م " فيما.

(5) في نسخة " ن " للاستسقاء.

(*)

[15]



ذلك وجوده، فلما كانت طاعته واجبة في الحال ولم نقف على شرطه(1) ولا وقت منتظر وجب أن يكون موجودا لتزاح العلة في التكليف ويحسن.

والجواب: عن مثال السيد مع غلامه مثل ذلك لانه إنما كلفه الدنو منه لا الشراء، فإذا دنا منه وكلفه الشراء وجب(2) عليه إعطاء الثمن.

ولهذا قلنا: إن الله تعالى كلف من يأتي إلى يوم القيامة ولا يجب أن يكونوا موجودين مزاحي العلة لانه لم يكلفهم الآن، فإذا أوجدهم وأزاح علتهم في التكليف بالقدرة والآلة ونصب الادلة حينئذ تناولهم التكليف، فسقط بذلك هذه المغالطة.

على أن الامام إذا كان مكلفا للقيام بالامر وتحمل أعباء الامامة كيف يجوز أن يكون معدوما وهل يصح تكليف المعدوم عند عاقل، وليس لتكليفه ذلك تعلق بتمكيننا أصلا، بل وجوب التمكين علينا فرع على تحمله على ما مضى القول فيه، وهذا واضح.

ثم يقال لهم: أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد، واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تعالى تلك المدة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم.

ومتى قالوا: إنما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر.

قلنا: وكذلك الامام لم يستتر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلوا عليه، ثم لما خاف عليه أبوه الحسن بن علي عليهم السلام أخفاه وستره، فالامران إذا سواء، ثم يقال لهم: خبرونا لو علم الله من حال شخص أن من مصلحته أن

________________________________

(1) في نسخ " أ، ف، م " شرط.

(2) في نسخة " ف " أوجب.

(*)

[16]



يبعث الله إليه نبيا معينا يؤدي إليه مصالحه وعلم أنه لو بعثه لقتله هذا الشخص، ولو منع من قتله قهرا كان فيه مفسدة له أو لغيره، هل يحسن أن يكلف هذا الشخص ولا يبعث إليه ذلك النبي، أو لا يكلف.

فإن قالوا: لا يكلف.

قلنا: وما المانع منه، وله طريق إلى معرفة مصالحه بأن يمكن النبي من الاداء إليه.

وإن قلتم: يكلفه ولا يبعث إليه.

قلنا: وكيف يجوز أن يكلفه ولم يفعل به ما هو لطف له مقدور.

فإن قالوا: أتي في ذلك من قبل نفسه.

قلنا: هو لم يفعل شيئا وإنما علم أنه لا يمكنه، وبالعلم لا يحسن تكليفه مع ارتفاع اللطف، ولو جاز ذلك لجاز أن يكلف ما لا دليل عليه إذا علم أنه لا ينظر فيه، وذلك باطل، ولابد أن يقال: إنه يبعث إلى(1) ذلك الشخص ويوجب عليه الانقياد له ليكون مزيحا لعلته، فإما أن يمنع منه بما لا ينافي التكليف، أو يجعله بحيث لا يتمكن من قتله، فيكون قد أتي من قبل نفسه في عدم الوصول إليه، وهذه حالنا مع الامام في حال الغيبة سواء.

فإن قال: لابد أن يعلمه أن له مصلحة في بعثة هذا الشخص إليه على لسان غيره ليعلم أنه قد أتي من قبل نفسه.

قلنا: وكذلك أعلمنا الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله والائمة من آبائه عليهم السلام موضعه، وأوجب علينا طاعته، فإذا لم يظهر لنا علمنا أنا أتينا من قبل نفوسنا فاستوى الامران.

وأما الذي يدل على الاصل الثاني وهو أن من شأن الامام أن يكون مقطوعا على عصمته، فهو أن العلة التي لاجلها احتجنا إلى الامام ارتفاع العصمة، بدلالة

________________________________

(1) في نسخ " أ، ف، م " إليه (*).

[17]



أن الخلق متى كانوا معصومين لم يحتاجوا إلى إمام وإذا خلوا من كونهم معصومين احتاجوا إليه، علمنا عند ذلك أن علة الحاجة هي ارتفاع العصمة، كما نقوله في علة حاجة الفعل إلى فاعل أنها الحدوث، بدلالة أن ما يصح حدوثه يحتاج إلى فاعل في حدوثه، وما لا يصح حدوثه يستغني عن الفاعل، وحكمنا بذلك أن كل محدث يحتاج إلى محدث، فبمثل ذلك يجب الحكم بحاجة كل من ليس بمعصوم إلى إمام وإلا انتقضت العلة، فلو كان الامام غير معصوم لكانت علة الحاجة فيه قائمة واحتاج إلى إمام آخر، والكلام في إمامه كالكلام فيه، فيؤدي إلى إيجاب أئمة لا نهاية لهم أو الانتهاء إلى معصوم وهو المراد.

وهذه الطريقة قد أحكمناها في كتبنا فلا نطول بالاسئلة عليها لان الغرض بهذا الكتاب غير ذلك، وفي هذا القدر كفاية.

وأما الاصل الثالث وهو أن الحق لا يخرج عن الامة فهو متفق عليه بيننا وبين خصومنا وإن اختلفنا في علة ذلك.

لان عندنا أن الزمان لا يخلو من إمام معصوم لا يجوز عليه الغلط على ما قلناه، فإذا الحق لا يخرج عن الامة لكون المعصوم فيهم.

وعند المخالف لقيام أدلة يذكرونها دلت على أن الاجماع حجة، فلا وجه للتشاغل بذلك.

فإذا ثبتت(1) هذه الاصول ثبت(2) إمامة صاحب الزمان عليه السلام، لان كل من يقطع على ثبوت العصمة للامام(3) قطع على أنه الامام، وليس فيهم من يقطع على عصمة الامام ويخالف في إمامته إلا قوم دل الدليل على بطلان قولهم كالكيسانية والناووسية والواقفة، فإذا أفسدنا أقوال هؤلاء ثبت(4) إمامته عليه السلام.

________________________________

(1) في نسخة " ح " والاصل ثبت.

(2) في نسختي " ف، ن " ثبتت.

(3) في نسخة " ح " عصمة الامام.

(4) في نسخ " أ، ف، م " ثبتت.

(*)

[18]



[أقول](1): وأما الذي يدل على فساد قول الكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنفية فأشياء.

منها: أنه لو كان إماما مقطوعا على عصمته لوجب أن يكون منصوصا عليه نصا صريحا لان العصمة لا تعلم إلا بالنص، وهم لا يدعون نصا صريحا [عليه](2) وإنما يتعلقون بأمور ضعيفة دخلت عليهم فيها شبهة لا تدل على النص، نحو إعطاء أمير المؤمنين عليه السلام إياه الراية يوم البصرة، وقوله له " أنت ابني حقا " مع كون الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه وليس في ذلك دلالة على إمامته على وجه، وإنما يدل على فضيلته(3) ومنزلته.

على أن الشيعة تروي أنه جرى بينه وبين علي بن الحسين عليهما السلام كلام في استحقاق الامامة فتحاكما إلى الحجر فشهد الحجر لعلي بن الحسين عليهما السلام بالامامة، فكان ذلك معجزا له فسلم له الامر وقال بإمامته.

1 - والخبر بذلك مشهور عند الامامية لانهم رووا أن محمد بن الحنفية نازع علي بن الحسين عليهما السلام في الامامة وادعى أن الامر أفضي إليه بعد أخيه الحسين عليه السلام، فناظره علي بن الحسين عليه السلام واحتج عليه بآي من القرآن كقوله: * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) *(4) وأن هذه الآية جرت في علي بن الحسين عليهما السلام وولده ثم قال له: أحاجك إلى الحجر الاسود، فقال له: كيف تحاجني إلى حجر(5) لا يسمع ولا يجيب، فأعلمه أنه يحكم بينهما فمضيا حتى انتهيا إلى الحجر، فقال علي بن الحسين عليه السلام لمحمد بن الحنفية: تقدم فكلمه فتقدم إليه ووقف حياله وتكلم ثم أمسك، ثم تقدم علي بن الحسين عليه السلام فوضع يده عليه ثم قال: " اللهم إني أسألك باسمك

________________________________

(1) من البحار.

(2) من نسخ " أ، ف، م ".

(3) في البحار ونسخة " ن " فضله.

(4) الانفال: 75، الاحزاب: 6.

(5) في نسخة " ف " الحجر (حجر خ ل).

(*)

[19]



المكتوب في سرادق العظمة " ثم دعا بعد ذلك وقال: لما أنطقت هذا الحجر، ثم قال: " أسألك بالذي جعل فيك مواثيق العباد والشهادة لمن وافاك لما أخبرت لمن الامامة والوصية " فتزعزع الحجر حتى كاد أن يزول، ثم أنطقه الله تعالى، فقال: يا محمد سلم الامامة لعلي بن الحسين، فرجع محمد عن منازعته وسلمها إلى علي بن الحسين عليهما السلام(1).

ومنها تواتر الشيعة الامامية بالنص عليه من أبيه وجده وهي موجودة(2) في كتبهم في الاخبار لا نطول بذكرها الكتاب.

ومنها الاخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله من جهة الخاصة والعامة على ما سنذكره فيما بعد بالنص على إمامة الاثني عشر، وكل من قال بإمامتهم قطع على وفاة محمد بن الحنفية وسياقة الامامة إلى صاحب الزمان عليه السلام.

ومنها انقراض هذه الفرقة فإنه لم يبق في الدنيا في وقتنا ولا قبله بزمان طويل قائل يقول به، ولو كان ذلك حقا لما جاز انقراضه.

فإن قيل: كيف يعلم انقراضهم وهلا جاز أن يكون في بعض البلاد البعيدة وجزائر البحر وأطراف الارض أقوام يقولون بهذا القول كما يجوز أن يكون في أطراف الارض من يقول بمذهب الحسن(3) في أن مرتكب الكبيرة منافق فلا يمكن ادعاء انقراض هذه الفرقة وإنما كان يمكن العلم بذلك لو(4) كان المسلمون فيهم

____________________________________

(1) عنه إثبات الهداة: 3 / 11 ح 14.

ورواه في بصائر الدرجات: 502 ح 3 ومختصر بصائر الدرجات: 14 والاحتجاج: 316 وأورده في إعلام الورى: 253 ومناقب ابن شهر آشوب: 4 / 147 عن نوادر الحكمة لمحمد بن يحيى مختصرا.

وعنها البحار: 46 / 111 ح 2 - 4.

والعوالم: 18 / 271 ح 2.

وأخرجه في مختصر البصائر: 170 عن الكافي: 1 / 348 ح 5 وأورد نحوه في الخرائج: 1 / 257 ح 3 وله تخريجات أخر تركناها رعاية للاختصار، من أرادها فليراجع الخرائج.

يأتي الاشارة إلى هذا الحديث في ص 203.

(2) في نسخة " ف ".وهو موجود.

(3) أي الحسن البصري.

(4) في نسختي " ح، ن " والاصل: لما.

(*)

[20]



قلة والعلماء محصورين فأما وقد انتشر الاسلام وكثر العلماء فمن أين يعلم ذلك.

قلنا: هذا يؤدي إلى أن لا يمكن العلم بإجماع الامة على قول ولا مذهب بأن يقال: لعل في أطراف الارض من يخالف ذلك ويلزم أن يجوز أن يكون في أطراف الارض من يقول: إن البرد(1) لا ينقض الصوم وأنه يجوز للصائم أن يأكل إلى طلوع الشمس، لان الاول كان مذهب أبي طلحة الانصاري، والثانى مذهب حذيفة والاعمش، وكذلك مسائل كثيرة من الفقه كان الخلف فيها (واقعا)(2) بين الصحابة والتابعين، ثم زال الخلف فيما بعد، واجتمع أهل الاعصار على خلافه، فينبغي أن يشك في ذلك ولا نثق بالاجماع على مسألة سبق الخلاف فيها، وهذا طعن من يقول إن الاجماع لا يمكن معرفته ولا التوصل إليه، والكلام في ذلك لا يختص هذه المسألة فلا وجه لايراده هنا.

ثم إنا نعلم أن الانصار طلبت الامرة ودفعهم المهاجرون عنها ثم رجعت الانصار إلى قول المهاجرين على قول المخالف، فلو أن قائلا قال(3): يجوز عقد الامامة لمن كان من الانصار لان الخلاف سبق فيه، ولعل في أطراف الارض من يقول به، فما كان يكون جوابهم فيه [فأي](4) شئ قالوه فهو جوابنا بعينه فلا نطول بذكره.

فإن قيل: إذا كان الاجماع عندكم إنما يكون حجة بكون المعصوم فيه، فمن أين تعلمون دخول قوله(5) في جملة أقوال الامة ؟ (وهلا جاز أن يكون قوله منفردا عنهم فلا تثقون بالاجماع ؟)(6).

قلنا: المعصوم إذا كان من جملة علماء الامة فلابد [من](7) أن يكون قوله

________________________________

(1) في نسخة " ف " التبرد (البرد خ ل).

(2) ليس في نسخ " أ، ف، م ".

(3) في نسخة " ن " يقول.

(4) من نسختي " ف، م " والبحار.

(5) في نسخ " أ، ف، م " أن قوله داخل.

(6) ليس في البحار.

(7) من نسختي " ف، م ".

(*)

[21]



موجودا في جملة أقوال العلماء، لانه لا يجوز أن يكون منفردا مظهرا للكفر فإن ذلك لا يجوز عليه، فإذا لابد [من](1) أن يكون قوله في جملة الاقوال، وإن شككنا في أنه الامام.

فإذا اعتبرنا أقوال الامة ووجدنا بعض العلماء يخالف فيه، فإن كنا نعرفه ونعرف مولده ومنشأه لم نعتد بقوله لعلمنا أنه ليس بإمام، وإن شككنا في نسبه لم تكن المسألة إجماعا.

فعلى هذا أقوال العلماء من الامة اعتبرناها فلم نجد فيهم قائلا بهذا المذهب الذي هو مذهب الكيسانية أو الواقفة، وإن وجدنا فرضا واحدا أو اثنين فإنا نعلم منشأه ومولده فلا يعتد(2) بقوله واعتبرنا أقوال الباقين الذين نقطع على كون المعصوم فيهم، فسقطت هذه الشبهة على هذا التحرير وبان وهنها(3).

فأما القائلون بإمامة جعفر بن محمد عليه السلام من الناووسية وأنه حي لم يمت وأنه المهدي فالكلام عليهم ظاهر، لانا نعلم موت جعفر بن محمد عليه السلام كما نعلم موت أبيه وجده عليهما السلام، وقتل علي عليه السلام، وموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلو جاز الخلاف فيه لجاز الخلاف في جميع ذلك، ويؤدي إلى قول الغلاة والمفوضة الذين جحدوا قتل علي والحسين عليهما السلام وذلك سفسطة(4).

وسنشبع(5) الكلام في ذلك عند الكلام على الواقفة (والناووسية)(6) إن شاء الله تعالى.

________________________________

(1) من نسختي " ف، م ".

(2) في نسختي " أ، م " فلا نعتد.

(3) من قوله " وأما الذي على فساد قول الكيسانية " إلى هنا في البحار: 42 / 81 - 84 ح 13.

(4) من قوله " اعلم أن لنا في الكلام..." إلى هنا في البحار: 51 / 167 - 180.

(5) في نسخة " ف " سنشيع.

(6) ليس في نسخ " أ، ف، م "