بازگشت

کلمة المصحح


بسم الله الرحمن الرحيم

حمدا لک يامن خلق فرزق، وألهم فأنطق، وابتدأ فشرع، وعلا فارتفع. وقدر فأتقن، وصور فأحسن، واحتج فأبلغ، وأنعم فأسبغ، وأعطي فأجزل، ومنح فأفضل.

وصلاة علي سيد رسلک وأفضل بريتک وعلي آله وعترته أئمة الدين والهداة إلي الصراط المستقيم، الحجج المعصومين الذين تکون معرفتهم کمال الدين وولايتهم تمام النعمة، وفي اتباعهم رضي الرب، ثم الفوز إلي الجنة.

اعلم أني من أول عهدي بالکتاب کنت مولعا بمطالعة کتب الحديث والتفسير محبا لها، حريصا علي التنقيب عنها، لما أيقنت في نفسي عن مراس وتجربة أنها خير دليل يدل علي مهيع الحق، ويدعو إلي جدد الصدق والعدل، ويحدو إلي المنهج القويم، ويقود إلي الصراط المستقيم.

وفيها الحق والحقيقة، والشريعة والطريقة، والعلم والحکمة، والادب والفضيلة، وبها ينال الانسان سعادته طيلة حياته، وجميل الاحدوثة بعد وفاته.

وفي خلال مطالعتي ومراجعتي هذه الکتب رأيت أن أکثرها طبعت ونشرت علي وجه لا تطمئن إليها النفس لما نالها من عبث الکتاب والوراق والمطابع فأحببت تخريجها وترصيفها وتصحيحها ونشرها علي صورة مرضية بهية، وکان بي في ذلک ظمأ شديد وشغف زائد، وشوق لا يوصف.

ولا شک أنه منزع بعيد الشقة متشعب الاطراف، ولا يوفي بهذا الغرض إلا الماهر بطرق المعارف السديدة، وليس في وسعي أن أقوم بهذا المهم، لان بضاعتي مزجاة، ومنتي قليلة، والعمل خطير، والامر فادح جليل. فقلت في نفسي: لا بأس، لان ما لا يدرک کله فلا يترک کله، وليس بجدير أن يرفض العاقل ما قوي عليه احتقارا له إذا لم يقدر علي ما هو أکثر منه.

فعزمت علي ذلک، واستخرت الله تعالي شأنه، واستعنت به عز سلطانه، وأقبلت نحو المأمول، راجيا من المولي تحقيقه فهو خير مسؤل، فيسر سبحانه لي أهبته، وأتاح لي فرصته، فاعتزلت عن مجالس الاحباب والصدور، وآثرت هذا المشروع علي جميع



[ صفحه 5]



الامور، وشرعت في المقصود، ولم آل جهدا فيه ولا المجهود، فلم أزل مترقبا لاقتناء نسخ الاصول، متفحصا عنها من العلماء والفحول، تارکا نومي في تصحيحها، باذلا جهدي في تحقيقها، عاکفا ليلي ونهاري علي ترصيفها وتنسيقها ومقابلتها، وکم بت عليها ليلا إلي السحر، وصافحت بالجبين صفحات الکتاب من السهر. وأنا ببذل عمري في سبيلها مشعوف مسرور، إذ حقق المولي سبحانه الامنية والمأمول، فخرج بتحقيقي إلي اليوم من تآليف العلماء والمحدثين ما جاوز عدد أجزائها التسعين.



إذا کان هذا الدمع يجري صبابة

علي غير سلمي فهو دمع مضيع



وقد أري کثيرا من أمثالي مع استظهارهم علي العلوم قائمين في ظلهم لا يبرحون وراتبين علي کعبهم لا يتزحزحون، فهم يرفلون في مطارف اللهو، ويرقلون في ميدان الزهو، يأخذون عرض هذا الادني ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الکتاب أن لا يقولوا علي الله إلا الحق ودرسوا ما فيه. والدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون. فلم يغرني حالهم، ولا تغيرني فعالهم، فما أبالي بعد أن کان الله عزوجل يقول: «فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا کفران لسعيه وإنا له کاتبون».

علي اکبر الغفاري

1390 ه‍ـ.



[ صفحه 6]