بازگشت

الرؤية الکونية و رحمة الرب


ولا يخفي أنَّ رحمة الله لا تختص بالآخرة بل هي في الدنيا أيضاً فالإنسان الذي لا يعيش الاختلاف والنزاع ولا يعيش کثرات المادة فهو بالفعل مشمول لرحمة الله تعالي لأنَّ حالته النورانيَّة والمعنوية التي اکتسبها تجعله يعيش الذکر الدائم والاطمئنان المستمر

(ألا بذکر الله تطمئن القلوب)

والسعادة الحقيقية، وذلک لأنه رغم تواجده في الدنيا يعيش عالم والملکوت بل الجبروت وينزجر من عالم الملک کما قال أمير المؤمنين عليه السلام مخاطباً همّام:

(لولا الأجل الذي کتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفه عين شوقا إلي الثواب و خوفا من العقاب عظما) [1] .

ومن هنا نراه يستغفر الله بمجرد توجهه إلي عالم الملک والمادة وإن کان هذا التوجه من غير قصدٍ أو أن التکليف فرض عليه ذلک، کما کان علي عليه السلام حيث کان يحکم بين الناس وهو علي کرسيِّ الخلافة والقضاء فالحکم بين الناس أمر لا بد منه ولکن رغم ذلک کان يجعله يعيش في عالم الملک ولو ساعات ومن أجل هذا الأمر کان في قيام الليل وأوقات السحر يبکي حتي يغمي عليه ويتوب کما نقل عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم:

(ليران علي قلبي وإني لأستغفر الله في کل يوم سبعين مرة)

ثم إنه ليس هناک أي انفصال بين هذه الحالة النورانية ونورانية البرزخ والقيامة بل کلها أمر واحد حيث أن عالم التجرد لا تعتريه الکثرة والتفرق فلا زمان يحکمه ولا مکان يحدُّه فالجنة الحقيقية يعيشها المؤمن وهو علي الأرض والنار يعيشها الکافر وهو علي الأرض.


پاورقي

[1] بحار الأنوار ج 67 ص 315 رواية 50 باب 14.