بازگشت

الشهداء بالکتاب بعد رسول الله


الشهادة علي الاُمة أحد أهم أدوار الأنبياء وهي أحد الأوصاف التي وصف بها القرآن الکريم خاتم الرسل:«يا أيّها النّبي إنّا أرسلناک شاهدً ومبشراً ونذيرا- وداعياً الي اللَّه بإذنه وسراجاً منيراً» [1] .

وقد وضّح القرآن الغاية من تلک الشهادة والتبشير والإنذار بقوله:«لئلّا يکونَ للنّاسَ علي اللَّه حجة بعد الرّسل» [2] ، فيکون الرسول هو الحجة والشاهد.

ولکنک تجد في القرآن قوله تعالي:«وکذلک جعلناکم اُمة وسطاً لتکونوا شهداء علي الناس ويکون الرسول عليکم شهيداً» [3] ، فکما وصف رسول اللَّه صلي الله عليه وآله بالشاهد علي الاُمة؛ نراه يذکر شهداء علي الناس غير رسول اللَّه. وشهادة الرسول مقدمة بداهة فيتعين أن تکون شهادتهم بعده بل هي مستمدة من شهادة رسول اللَّه صلي الله عليه وآله عليهم. فالآية تبرز موضوع الحجة والشهادة بعد رحيل خاتم الرسل.

وأهم آية تحدد معالم الشهداء بعد الرسول هي قوله تعالي:«وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاکُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْکُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ملَّةَ أَبِيکُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاکُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا لِيَکُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْکُمْ وَتَکُونُوا شُهَدَاءَ عَلَي النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّکَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَکُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَي وَنِعْمَ النَّصِيرُ» [4] .

فالآية تتحدث عن الشهداء بعد الرسول وتصرح بوجود صفتين لهم:

الاُولي:«هو اجتباکم»، وهي عبارة مرادفة للاصطفاء کما في قوله تعالي:«ولکنَّ اللَّه يجتببي من رسله من يشاء» [5] ، فالاجتباء هنا بمعني الاصطفاء.

الثانية: أنهم من ذرية إبراهيم عليه السلام«ملّة أبيکُم إبراهيم»، وبذلک يتّضح المقصودون بقوله تعالي:«وکذلک جعلناکم اُمة وسطاً»فقد ورد في الکافي عن بريد العجلي قال: سألت أبا عبداللَّه عن قول اللَّه تعالي:«وکذلک جعلناکم اُمة وسطاً لتکونوا شهداء علي الناس»فقال:«نحن الاُمة الوسطي، ونحن شهداء اللَّه علي خلقه وحججه في أرضه» [6] .

وکذلک هم المقصودون في قوله تعالي:«کُنتم خير اُمة اُخرجت للناس» [7] ، ولو لم يکن الأمر کذلک لما تم معني الآية، إذ لو قصد کما يحاول البعض أن يوهم الناس بأن الشهادة هي للاُمة جمعاء، لتضارب المعني فيکون الناس شهداء علي الناس، وهذا يخالف التقدم المفروض في رتبة الشهداء کونهم مجتبين مصطفين من قبل اللَّه کالرسول والأوصياء.

وأما الادعاء بأن الجميع هم خير اُمة فمخالف للوجودان وما نشاهده بالعيان، وإن قيل بأنهم جزء من الاُمة تعين المصطفين السابقين بالخيرات الذين هم من آل إبراهيم بصريح القرآن إذ لم يُدّع اصطفاء غيرهم من البشر کحجج بعده صلي الله عليه وآله.

وکما بيّن القرآن تأوّل العلماء بالکتاب بيّن کذلک تأوّل الشهداء به وهما واحد هو علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذا صريح مدلول قوله تعالي:«أفمن کان علي بيّنة من ربّه ويتلوه شاهد منه ومن قبله کتاب موسي إماماً ورحمة». [8] فمعني قوله تعالي«منه»أنه من أهل بيته، کما نقل البخاري في صحيحه کتاب الصلح، باب کيف يکتب هذا ما صالح... عن البراء أن رسول اللَّه صلي الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام:«أنتَ مني وأنا منک» [9] .

فهو الشاهد الذي يتلو رسول اللَّه أي يکون بعده، بل صريح الروايات الواردة في مصادر السنة أن المقصود به علي عليه السلام، قال السيوطي في الدر المنثور:«أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبونعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ما من رجل من قريش إلّا نزل فيه طائفة من القرآن فقال له رجل: ما نزل فيک؟ قال: أما تقرأ سورة هود:«أفمن کان علي بيّنة من ربّه ويتلوه شاهد منه»، رسول اللَّه علي بيّنة من ربه وأنا شاهد منه»انتهي کلام السيوطي [10] ، ورواية ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن عباد بن عبداللَّه عن علي عليه السلام [11] ، وأما رواية الطبري في تفسيره فعن عبداللَّه بن يحيي عنه عليه السلام [12] .

ولا نجد تفسيراً يتوافق مع ظاهر الآية غير هذا في مقابل تفاسير متکلفة لا تتناسب مع مفرداتها، فانظر الي الآراء الاُخري التي عددها ابن الجوزي في تفسيره(زاد المسير)حيث قال:

«وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال:

أحدها: إنه جبريل، قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعکرمة وإبراهيم في آخرين.

والثاني: إنه لسان رسول اللَّه صلي الله عليه وآله الذي کان يتلو القرآن قال علي بن أبي طالب والحسين...

والثالث: إنه علي بن أبي طالب و(يتلوه)بمعني يتبعه رواه جماعة عن علي بن أبي طالب وبه قال محمد بن علي، وزيد بن علي.

والرابع: إنه رسول اللَّه صلي الله عليه وآله هو شاهد من اللَّه تعالي قاله الحسين ابن علي عليه السلام.

والخامس: إنه ملک يحفظه ويسدده قاله مجاهد.

والسادس: إنه الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق وإن کان قد أنزل قبله لأن النبي صلي الله عليه وآله بشرت به التوراة.

والسابع: إنه القران ونظمه وإعجازه قاله الحسين بن الفضل.

والثامن: إنّه صورة رسول اللَّه صلي الله عليه وآله ووجهه ومخايله لأن کل عاقل نظر إليه علم أنه رسول اللَّه صلي الله عليه وآله [13] .

والحکم إليک أيها القارئ في تحديد التفسير المتوافق مع ظاهر الآية.

فما تريده الآية أن علياًعليه السلام شاهد من رسول اللَّه صلي الله عليه وآله ويتلوه أي يعقبه ليقوم بدوره کهادٍ وحجة کما ورد عن الفريقين، والخصم يعلم بأن الظروف السياسية والمذهبية لصرف روايات الشهادة عن علي کانت متأتية لهم، ومع ذلک لم يتمکنوا من إخفائها کلها رغم سلطتهم ونفوذهم، ألا يمکن أن نفهم من ذلک کم کان الأمر جلياً.


پاورقي

[1] الأحزاب: 46 - 45.

[2] النساء: 165.

[3] البقرة: 143.

[4] الحج: 78.

[5] آل عمران: 179.

[6] اُصول الکافي، للکليني 190:1.

[7] آل عمران: 110.

[8] هود: 17.

[9] صحيح البخاري 242:3.

[10] الدر المنثور، للسيوطي 409:4.

[11] تفسير ابن أبي حاتم 201:6.

[12] تفسير الطبري 22:12.

[13] زاد المسير.