بازگشت

تنزيه نوح


تنزيه نوح عما لا يليق به

(مسألة) فإن سأل سائل عن قوله تعالي: (وَنَادَي نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَکَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْکَمُ الْحَاکِمِينَ - قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِکَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُکَ أَن تَکُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [1] فقال: ظاهر قوله تعالي إنه ليس من أهلک، فيه تکذيب، لقوله عليه السلام إن ابني من أهلي.

وإذا کان النبي (ع) لا يجوز عليه الکذب فما الوجه في ذلک؟ قيل له في هذه الآية وجوه، کل واحد منها صحيح مطابق لأدلة العقل. [2] .

(أولها) أن نفيه لأن يکون من أهله لم يتناول فيه نفي النسب، وإنما نفي أن يکون من أهله الذين وعده الله تعالي بنجاتهم، لأنه عز وجل کان وعد نوحا عليه السلام بأن ينجي أهله في قوله: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن کُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَکَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) [3] فاستثني من أهله من أراد إهلاکه بالغرق.

ويدل علي صحة هذا التأويل قول نوح عليه السلام: إن ابني من



[ صفحه 36]



أهلي وإن وعدک الحق.

وعلي هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان.

وقد روي هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين.

(والوجه الثاني) أن يکون المراد من قوله تعالي: (لَيْسَ مِنْ أَهْلِکَ) أي إنه ليس علي دينک، وأراد أنه کان کافرا مخالفا لأبيه، فکأن کفره أخرجه من أن يکون له أحکام أهله. ويشهد لهذا التأويل قوله تعالي علي سبيل التعليل: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) فتبين أنه إنما خرج عن أحکام أهله بکفره وقبيح عمله. وقد حکي هذا الوجه أيضا عن جماعة من أهل التأويل.

(والوجه الثالث) أنه لم يکن ابنه علي الحقيقة، وإنما ولد علي فراشه. فقال (ع) إن ابني علي ظاهر الأمر. فأعلمه الله تعالي أن الأمر بخلاف الظاهر، ونبهه علي خيانة امرأته، وليس في ذلک تکذيب خبره، لأنه إنما أخبر عن ظنه وعما يقتضيه الحکم الشرعي، فأخبره الله تعالي بالغيب الذي لا يعلمه غيره.

وقد روي هذا الوجه عن الحسن ومجاهد وابن جريج. وفي هذا الوجه بعد، إذ فيه منافاة للقرآن لأنه تعالي قال: (وَنَادَي نُوحٌ ابْنَهُ) فأطلق عليه اسم البنوة. ولأنه تعالي أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالي: (وَأَهْلَکَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ). ولأن الأنبياء عليهم السلام يجب أن ينزهوا عن هذه الحال لأنها تعبير وتشيين ونقص في القدر، وقد جنبهم الله تعالي ما دون ذلک تعظيما لهم وتوقيرا ونفيا لکل ما ينفر عن القبول منهم.

وقد حمل ابن عباس قوة ما ذکرناه من الدلالة علي أن تأويل قوله تعالي في امرأة نوح وامرأة لوط، فخانتاهما، أن الخيانة لم تکن منهما بالزنا، بل کانت إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون، والأخري تدل علي الأضياف.

والوجهان الأولان هما المعتمدان في الآية، فإن قيل أليس قد قال جماعة من المفسرين أن الهاء في قوله تعالي: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) راجعة إلي السؤال؟ والمعني أن سؤالک إياي ما ليس لک به علم عمل غير صالح، لأنه قد وقع من نوح (ع) السؤال والرغبة في قوله: رب إن ابني من



[ صفحه 37]



أهلي وإن وعدک الحق، ومعني ذلک نجه کما نجيته. قلنا ليس يجب أن تکون الهاء في قوله إنه عمل غير صالح، راجعة إلي السؤال بل إلي الابن يکون تقدير الکلام: إن ابنک ذو عمل غير صالح، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ويشهد لصحة هذا التأويل، قول الخنساء: [4] .



ما أم سقب علي بو [5] تطيف به

قد ساعدتها علي التحنان أظئار



ترتع ما رتعت حتي إذا ذکرت

فإنما هي إقبال وإدبار



وإنما أراد أنها ذات إقبال وذات إدبار، وقد قال قوم في هذا الوجه: إن المعني في قوله: إنه عمل غير صالح، أن أصله عمل غير صالح من حيث ولد علي فراشه وليس بإبنه.

وهذا جواب من يري أنه لم يکن ابنه علي الحقيقة.

والذي اخترناه خلاف ذلک، وقد قرئت هذه الآية بنصب اللام وکسر الميم ونصب غير، ومع هذه القراءة لا شبهة في رجوع معني الکلام إلي الابن دون سؤال نوح (ع)، وقد ضعف قوم هذه القراءة فقالوا: کان يجب أن يقول إنه عمل عملا غير صالح، لأن العرب لا تکاد تقول هو يعمل غير حسن، حتي يقولوا عملا غير حسن.

وليس هذا الوجه بضعيف، لأن من مذهبهم الظاهر أقامة الصفة مقام الموصوف عند انکشاف المعني وزوال اللبس. فيقول القائل: قد فعلت صوابا وقلت حسنا، بمعني فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا.

وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي؟. [6] .



أيها القائل غير الصواب

أخر النصح واقلل عتابي



وقال أيضا:



وکم من قتيل ما يباء به دم

ومن علق رهنا إذا لفه الدما [7] .





[ صفحه 38]



ومن ما لي عينيه من شئ غيره - إذا راح نحو الحمرة البيض کالدما أرادوکم من انسان قتيل.

وقال رجل من بجيلة: کم من ضعيف العقل منتکث القوي - ما أن له نقض ولا إبرام أرادکم من انسان ضعيف العقل والقوي.

فإن قيل: لو کان الأمر علي ما ذکرتم فلم قال الله تعالي: (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُکَ أَن تَکُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فکيف قال نوح عليه السلام من بعد: (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِکَ أَنْ أَسْأَلَکَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَکُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ). [8] .

قلنا ليس يمتنع أن يکون نوح (ع) نهي عن سؤال ما ليس له به علم، وإن لم يقع منه، وأن يکون هو (ع) تعوذ من ذلک، وإن لم يواقعه. ألا تري أن نبينا صلي الله عليه وآله قد نهي عن الشرک والکفر، وإن لم يقعا منه، في قوله تعالي: (لَئِنْ أَشْرَکْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُکَ).

وإنما سأل نوح عليه السلام نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا علي سبيل القطع. فلما بين الله تعالي أن المصلحة في غير نجاته، لم يکن ذلک خارجا عما تضمنه السؤال.

فأما قوله تعالي: (إِنِّي أَعِظُکَ أَن تَکُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، فمعناه لئلا تکون منهم. ولا شک في أن وعظه تعالي هو الذي يصرفه عن الجهل وينزهه عن فعله. وهذا کله واضح.



[ صفحه 39]




پاورقي

[1] هود الآية 45 - 46.

[2] راجع قصص الأنبياء - قصة نوح عليه السلام - المسألة الخامسة.

[3] هود الآية 40.

[4] شاعرة عربية (575 - 664 ه‍) اشتهرت برثاء أخويها.

[5] هکذا وردت في الأصل ولعلها (بوق) کما يدل سياق المعني.

[6] شاعر غزلي شهير (644 - 711 ه‍) تزهد في آخر حياته.

[7] ومن علق رهنا إذا ألفه غنما - خل.

[8] هود الآية 47.