بازگشت

تنزيه سيدنا محمد عن مدح آلهة قريش


(مسألة): فإن قال فما معني قوله تعالي: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِکَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّي أَلْقَي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْکِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَکِيمٌ) [1] أو ليس قد روي في ذلک أن رسول الله صلي الله عليه وآله لما رأي تولي قومه عنه شق عليه ما هم عليه من المباعدة والمنافرة، وتمني في نفسه أن يأتيه من الله تعالي ما يقارب بينه وبينهم، وتمکن حب ذلک في قلبه، فلما أنزل الله تعالي عليه (وَالنَّجْمِ إِذَا



[ صفحه 152]



هَوَي) [2] وتلاها عليهم، ألقي الشيطان علي لسانه لما کان تمکن في نفسه من محبة مقاربتهم تلک الغرانيق العلي وإن شفاعتهن لترتجي، فلما سمعت قريش ذلک سرت به وأعجبهم ما زکي به آلهتهم، حتي انتهي إلي السجدة فسجد المؤمنون وسجد أيضا المشرکون لما سمعوا من ذکر آلهتهم بما أعجبهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرک إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه کان شيخا کبيرا لا يستطيع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وقريش مسرورة بما سمعت. وأتي جبرائيل عليه السلام إلي النبي صلي الله عليه وآله معاتبا علي ذلک، فحزن له حزنا شديدا. فأنزل الله تعالي عليه معزيا له ومسليا (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِکَ) الآية.

(الجواب): قلنا أما الآية فلا دلالة في ظاهرها علي هذه الخرافة التي قصوها وليس يقتضي الظاهر إلا أحد أمرين، إما أن يريد بالتمني التلاوة کما قال حسان بن ثابت:



تمني کتاب الله أول ليله

وآخره لاقي حمام المقادر



أو أريد بالتمني تمني القلب. فإن أراد التلاوة، کان المراد من أرسل قبلک من الرسل کان إذا تلا ما يؤديه إلي قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا، کما فعلت اليهود في الکذب علي نبيهم، فأضاف ذلک إلي الشيطان لأنه يقع بوسوسته وغروره. ثم بين أن الله تعالي يزيل ذلک ويدحضه بظهور حجته وينسخه ويحسم مادة الشبهة به. وإنما خرجت الآية علي هذا الوجه مخرج التسلية له صلي الله عليه وآله لما کذب المشرکون عليه، وأضافوا إلي تلاوته مدح آلهتهم ما لم يکن فيها.

وأن کان المراد تمني القلب، فالوجه في الآية إن الشيطان متي تمني النبي عليه السلام بقلبه بعض ما يتمناه من الأمور، يوسوس إليه بالباطل



[ صفحه 153]



ويحدثه بالمعاصي ويغريه بها ويدعوه إليها. وأن الله تعالي ينسخ ذلک ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وعصيانه وترک إسماع غروره.

وأما الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل عليهم السلام عنه.

هذا لو لم يکن في أنفسها مطعونة ضعيفة عند أصحاب الحديث بما يستغني عن ذکره. وکيف يجيز ذلک علي النبي صلي الله عليه وآله من يسمع الله تعالي يقول: (کَذَلِکَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَکَ) [3] يعني القرآن.

وقوله تعالي: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ). [4] .

وقوله تعالي: (سَنُقْرِؤُکَ فَلَا تَنسَي). [5] علي أن من يجيز السهو علي الأنبياء عليهم السلام يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنکرة لما فيها من غاية التنفير عن النبي صلي الله عليه وآله لأن الله تعالي قد جنب نبيه من الأمور الخارجة عن باب المعاصي، کالغلظة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلک مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالي.

علي أنه لا يخلو صلي الله عليه وآله وحوشي مما قذف به من أن يکون تعمد ما حکوه، وفعله قاصدا أو فعله ساهيا ولا حاجة بنا إلي إبطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره، وإن کان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقها، ثم لمعني ما تقدمها من الکلام. لأنا نعلم ضرورة أن من کان ساهيا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتي يتفق منه بيت شعر في وزنها وفي معني البيت الذي تقدمه وعلي الوجه الذي يقتضيه فائدته، وهو مع ذلک يظن أنه من القصيدة التي ينشدها.

وهذا ظاهر في بطلان هذه الدعوي علي النبي صلي الله عليه وآله علي أن الموحي إليه من الله النازل بالوحي وتلاوة القرآن



[ صفحه 154]



جبرائيل (ع)، وکيف يجوز السهو عليه. علي أن بعض أهل العلم قد قال يمکن أن يکون وجه التباس الأمر أن رسول الله صلي الله عليه وآله لما تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله وکان أکثر الحاضرين من قريش المشرکين، فانتهي إلي قوله تعالي: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّي) [6] وعلم في قرب مکانه منه من قريش أنه سيورد بعدها ما يسوأهم به فيهن، قال کالمعارض له والراد عليه: (تلک الغرانيق العلي وأن شفاعتهن لترتجي) فظن کثير ممن حضر أن ذلک من قوله صلي الله عليه وآله. واشتبه عليهم الأمر لأنهم کانوا يلغطون عند قراءته صلي الله عليه وآله، ويکثر کلامهم وضجاجهم طلبا لتغليطه وإخفاء قراءته. ويمکن أن يکون هذا أيضا في الصلاة، لأنهم کانوا يقربون منه في حال صلاته عند الکعبة، ويسمعون قراءته ويلغون فيها.

وقيل أيضا أنه صلي الله عليه وآله کان إذا تلا القرآن علي قريش توقف في فصول الآيات وأتي بکلام علي سبيل الحجاج لهم، فلما تلا أفرأيتم اللات والعزي ومناة الثالثة الأخري قال تلک الغرانيق العلي منها الشفاعة ترتجي علي سبيل الإنکار عليهم، وأن الأمر بخلاف ما ظنوه من ذلک. وليس يمتنع إن يکون هذا في الصلاة لأن الکلام في الصلاة حينئذ کان مباحا. وإنما نسخ من بعد، وقيل إن المراد بالغرانيق الملائکة.

وقد جاء مثل ذلک في بعض الحديث فتوهم المشرکون أنه يريد آلهتهم. وقيل إن ذلک کان قرآنا منزلا في وصف الملائکة فتلاه الرسول صلي الله عليه وآله، فلما ظن المشرکون أن المراد به آلهتهم نسخت تلاوته.

وکل هذا يطابق ما ذکرناه من تأويل قوله: (إِذَا تَمَنَّي أَلْقَي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) لأن بغرور الشيطان ووسوسته أضيف إلي تلاوته صلي الله عليه وآله ما لم يرده بها. وکل هذا واضح بحمد الله تعالي.



[ صفحه 155]




پاورقي

[1] الحج 52.

[2] النجم 1.

[3] الفرقان 22.

[4] الحاقة 44 - 46.

[5] الأعلي 6.

[6] النجم 19.