بازگشت

الاختلاف في غيبته


يتفق علماء الإمامية علي غيبة المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ عام 261 هـ، ويعتقدون بانه لازال حياً حتي يأذن الله له بالظهور، وهم انما يعتقدون بذلک تمسکاً بالروايات المروية بشأن غيبته عن النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ وأهل بيته، وهي صادرة منهم قبل وقوع الغيبة بل قبل ولادة المهديّ ـ عليه السلام ـ بأکثر من مائتين سنة وبعضها بمائة سنة، وقد ذکرت غيبة المهديّ ـ عليه السلام ـ في الحوار الذي جري بين النبي صلي الله عليه وآله وسلم، واليهودي أبي عمارة حين سأله النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ: «يا أبا عمارة أتعرف الأسباط؟» قال: نعم يا رسول الله انهم کانوا اثني

عشر آخرهم لاوي بن برخيا، وهو الذي غاب عن بني اسرائيل غيبة طويلة ثم عاد فاظهر الله به شريعته بعد دارستها وقاتل قرشطيا الملک حتي قتله، فقال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ:

«انه کائن في امتي ما کان في بني اسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وان الثاني عشر من ولدي يغيب حتي لا يري ويأتي علي امتي زمن لا يبقي من الإسلام إلاّ اسمه ولا من القرآن إلاّ رسمه فيحنئذ يأذن الله تعالي له بالخروج فيظهر الإسلام ويجدد الدين». [1] .

وعن الاصبغ بن نباته قال: أتيت علياً أمير المؤمنين فقلت: (يا أمير المؤمنين مالي أراک متکفراً تنکث في الأرض أرغبة منک فيها؟ فقال:

«لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولکن فکرت في مولود يکون من ظهري الحادي عشر من ولدي وهو المهديّ الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً کما ملئت جوراً، وظلماً، تکون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون». [2] .

وفي رواية أخري قال ـ عليه السلام ـ: «اللهم بلي لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة أما ظاهراً مشهوراً واما خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته». [3] .

وذکر هذا الکلام عن الإمام علي ـ عليه السلام ـ ابن أبي الحديد ثم استدرک عليه فقال: «اللهم بلي لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله تعالي کيلا يخلو الزمان ممن هو مهيمن لله تعالي علي عباده ومسيطر عليهم»، ثم شرح هذا الاستدراک بقوله: (وهذا يکاد يکون تصريحاً بمذهب الإمامية، ألا ان اصحابنا يحملونه علي ان المراد به الأبدال الذين ورد في الأخبار النبوية عنهم انهم في الأرض سائحون، فمنهم من يعرف ومنهم من لا يعرف، وانهم لا يموتمون حتي يودعوا السر، وهو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم). [4] .

انتهي کلامه وهو ليس صحيحاً لان قوله: «لا تخلو الأرض من قائم بحجة لله تعالي» يشعر بان هذا القائم بحجة الله والمهيمن والمسيطر علي عباد الله صاحب مسؤولية الهية ومهمة رسالية، ومزود من الله بالحجج الکاملة والبراهين الدامغة، والعلوم الساطعة لهداية العباد، وانقاذهم من أهل الضلال والکفر والشرک والعناد، فجعله الله بذلک مهيمناً ومسيطراً علي العباد، کما يفهم من قوله: «لکيلا يخلو الزمان ممن هو مهيمن لله تعالي علي عباده ومسيطر عليهم»، وهذه المواصفات المذکورة للقائم بحجة الله علي العباد لا تنطبق علي الابدال الذين ذکرهم ابن ابي الحديد. لأن الأبدال رجال عبادة وعرفان لا شأن لهم بالناس ولا عداء بينهم وبين السلطان الظالم، فلا معني ان يصفهم الإمام بقوله: «اما ظاهراً مشهوراً واما خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته...»، لأن الخوف من صفات أصحاب المشاريع الرسالية والجهادية التي تهدد کيان السلطات والحکومات الظالمة، فهم يخافون علي انفسهم من سطوة السلطان الظالم، والسلطان الظالم يخاف منهم علي کيانه ووجوده، وهذه هي صفات المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ الذي غاب خوفاً علي نفسه من القتل کما جاء في الرواية عن آبائه.

اما علماء أهل السنة فالأکثرية يسخرون من القول بغيبة المهديّ المنتظر عليه السلام، ويعتبرون هذا الاعتقاد ضرباً من الأوهام والجنون، ولبعضهم في ذلک کلمات نابية يتهکمون فيها علي اتباع أهل البيت عليهم السلام، ويذکرون دليلين علي نفي غيبة المهديّ المنتظر عليه السلام.

الأول: ادعائهم وفاة المهديّ بن الإمام الحسن العسکري عليهما السلام.

الثاني: استبعادهم امکانية بقائه حياً خلال هذه القرون الطويلة التي تمتد من سنة 255 هجرية الي يومنا هذا.

اما القول بوفاة المهديّ المنتظر عليه السلام، فأنه مجرد دعوي باطلة لعدم استنادها الي دليل، لان الثابت بالأدلة التاريخية ولادته، وقد شهد بها عدد من المؤرخين وجمع من علماء أهل السنة، وأکثرهم ترجموا حياته وذکروا بانه الوحيد لأبيه، وقد مرت علينا کلماتهم، ولم نعثر علي واحد منهم نص علي وفاته بتاريخ محدد، مع ان المتعارف في تراجم الرجال الاختلاف في ولاداتهم، فلما يلمع نجمهم ويسطع اسمهم وينتشر صيتهم، في مجال اختصاصاتهم يلتفت المؤرخون اليهم ويضبطون دقائق حياتهم ويذکرون تاريخ وفاتهم، لکن الأمر في حياة المهديّ کان علي العکس، فهم يعرفون تاريخ ولادته ولا يعرفون شيئاً عن حياته بعد الولادة مع أنهم يصرحون في ترجمة حياته، بان أباه مات وکان ولده محمد المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ يومئذ له من العمر خمس سنين، أتاه الله تعالي فيها العلم والحلم والحکمة وفصل الخطاب صبياً، کما أتاها يحيي ابن زکريا ـ عليهما السلام ـ صيباً. [5] .

ويعني کلامهم هذا ان محمد بن الحسن العسکري ـ عليه السلام ـ کان من مشاهير الأعلام، في مطلع طفولته، بل کان شخصية استثنائية فريدة من نوعها في تاريخ الأمة الإسلامية.

والسؤال الذي يجب ان يطرحه کل عاقل علي نفسه بهذا العدد وهو: کيف يجهل المؤرخون تاريخ وفاة هذه الشخصية الاستثنائية في التاريخ الإسلامي، ولا يذکرون شيئاً عن نشاطها العلمي ودورها الاجتماعي والسياسي في الأمة، ولا يعرفون شيئاً عن تاريخ وفاتها.

فدعوي وفاة محمد بن الحسن العسکري المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ عند الشيعة الإمامية لا تستند علي وثيقة تاريخية معتبرة، مما يؤيد صحة المعتقد الشيعي بغيبته عن الأنظار وبقائه حياً يرزق حتي الآن.

اما القول بأستحالة ان يعيش الانسان قروناً طويلة، لانه خلاف طبائع الأشياء، والسنن الجارية في أعمار البشر، فانه مردود أيضاً، لثبوت بقاء عدد من الأنبياء والأولياء في الحياة عشرات القرون ثم ماتوا بعد ذلک، فالنبي نوح ـ عليه السلام ـ عمّر قبل الطوفان تسعمائة وخمسين عاماً کما أخبر القرآن بذلک في قوله تعالي: (فلبث

فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً فاخذهم الطوفان)، [6] ولم يذکر لنا کم لبث في الحياة بعد الطوفان، لکن بعض المصادر في کتب العهدين تقول: أن مجموع حياة نوح ـ عليه السلام ـ بلغت الفين وخمسمائة سنة.

وتؤکد مصادر التاريخ الإسلامي الوثيقة، بأن هناک عدد من الأنبياء والأولياء لازالوا أحياء مع انهم غابوا عن الأنظار قبل محمد بن الحسن العسکري ـ عليه السلام ـ بقرون کثيرة، فالخضر والياس کانا من قبل نبي الله موسي ـ عليه السلام ـ ولا زالا حيين يرزقان، ومثلهم روح الله عيسي بن مريم ـ عليه السلام ـ الذي أخبر القرآن بانه لن يموت قبل ان ينزل من السماء لهداية النصاري الي الإسلام، فقال: (وان من أهل الکتاب إلاّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يکون عليهم شهيداً). [7] .

فاذا عمّر کل هؤلاء طويلاً ولازال عدد منهم حياً فماذا يمنع ان يعيش منقذ البشرية قروناً طويلة لذات الأهداف الإلهية التي أدت الي أن يعمّر الذين من قبله طويلاً، مع انه لم يبلغ حتي الآن من العمر نصف ما بلغ السابقين عليه.

ومن الغريب العجيب أن أهل السنة يعتقدون بان الأعور الدجال مضل البشرية ومفسدها في آخر الزمان ولد في حياة النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـولا زال حياً غائباً عن الأنظار وسيخرج في الوقت المعلوم عند الله ليمارس الفساد والضلال والدعوة للشرک والکفر في آخر الزمان، ولکنهم يسخرون من غيبة منقذ البشرية من الظلم والجور ومجسد آمال الأنبياء والمرسلين في آخر الزمان.

ولا ندري کيف لا يکون الاعتقاد بغيبة المفسد الدجال باعثاً للاستهزاء والسخرية، بينما يکون الاعتقاد بغيبة المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ ابن خاتم المرسلين ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـباعثاً للاستهزاء والسخرية، مع ان غيبته دلت علي امکانيتها الأدلة القرآنية والتاريخية واخبر النبي صلي الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته بوقوعها، ولکن لم يذکر لنا تاريخ الأمم السابقة ولا القرآن عن غيبة رجال مفسدين ثم ظهروا بعد قرون طويلة ليمارسوا الافساد والضلال.

ومن الأدلة التي تستدل بها مدرسة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ علي ضرورة وجود المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ حياً يرزق في الأمة في هذا العصر قول رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ:

«اني تارک فيکم خليفتين کتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وانهم لن يفترقا حتي يردا عليّ الحوض»، [8] وکذلک قوله: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً الي اثني عشر خليفة کلهم من قريش» قيل ثم يکون ماذا؟ فقال: «ثم يکون الهرج»، [9] وکذلک قوله: «النجوم امان لأهل السماء فاذا ذهبت آتاها ما وعدت، وانا آمان لأصحابي ما کنت حياً، فاذا ذهبت آتاهم ما يوعدون، وأهل بيتي آمان لأمتي، فاذا ذهب أهل بيتي آتاهم ما يوعدون». [10] .

فالخبر الأول يدل علي ملازمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ للقرآن، لا يفارقونه ابداً حتي يردوا معه علي الحوض يوم القيامة، وهذه الملازمة يلحظ فيها کل حسب عصره وفترة امامته التي يقوم فيها بهداية الناس وحماية الدين من تحريف الظالمين وانتحال المبطلين، کما وصفهم رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ بقوله: «من کل خلف من امتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». [11] .

والحديث الثاني: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً الي اثني عشر خليفة کلهم من قريش...» يحدد عدد هؤلاء الخلفاء حملة القرآن وحراس مبادئه وتراجمة وحيه في کل عصر، حيث يکون الدين برعايتهم عزيزاً منيعاً، وعند تمام عددهم ونهاية خلافة آخرهم يقع الهرج، وتنتهي عزة الدين ويأتي أهل الأرض ما يوعدون، حيث تقع اشراط الساعة وينتهي عمر الدنيا، قال رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ في الحديث الثالث: «وأهل بيتي امان لأمتي فاذا ذهب أهل بيتي آتاهم ما يوعودن». اشارة الي علامات الساعة ووقوع الهرج، وکل ذلک يقع بعد دولة المهديّ المنتظر عليه السلام.

والجمع بين معاني هذه الأحاديث يقتضي القطع بوجود واحد من أهل البيت ـ عليهم السلام ـ حياً يرزق في الأمة أما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مستوراً، ملازم للقرآن حتي لا تخلو الأرض من قائم بحجج الله، وکيلاً يخلو الزمان ممن هو مهيمن لله تعالي علي عباده ومسيطر عليهم، ولما لم يبق من أهل البيت ـ عليهم السلام ـ إلاّ المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ فلا بد من القطع بوجوده حياً في الأمة وان لم نره ونتصل به.

ويعزز هذا الدليل ما روي عن النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ انه قال: «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة الجاهلية»، [12] وهو يدل علي ضرورة وجود امام هُديً في کل عصر وزمان تعرفه الأمة وتؤمن بإمامته وتقتدي بهداه، ولا ينطبق الحديث علي ائمة الجور لأن امامتهم من مصاديق الجاهلية التي تدعو الي النار، فلا تنجي المسلمين من ميتة الجاهلية، ولو لم يکن الإمام الذي يوجب رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ معرفته علي کل مسلم في کل عصر وزمان من ائمة الهدي لما أوجب الجهل به ميتة الجاهلية، وليس هذا الحديث في عصرنا الحاضر من مصداق غير الاعتقاد بوجود المهديّ ـ عليه السلام ـ حياً يرزق، وقائداً واماماً تنتظر البشرية يومه الموعود ليملأ الأرض قسطاً وعلاً کما ملئت ظلماً وجوراً.

وليس لنا ان نطبق هذا الحديث علي المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ ومع ذلک ندعي أنه لم يولد بعد، لان التکليف بوجوب معرفة امام لم يولد خلاف العدل لأنه تکليف بما لا يطاق، وهو مما ننزه الله تعالي عنه.


پاورقي

[1] فرائد السمطين 2: 132، باب31 للحمويني الشافعي.

[2] الکافي 1: 338 ح7،الاختصاص: ص209، اثبات الوصية للمسعودي: ص225، النعماني:ص60 ح4.

[3] الغارات 1: 147 ـ 156، العقد الفريد 2: 81، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18: 346 و 351، الاستدراک، الکافي 1: 335، النعماني: ص136 ح1، ورواه ابن قتيبة في عيون الأخبار ناقصاً 2: 383، ورواه ابن عساکر في تاريخ بغداد ناقصاً 6: 379،ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء ناقصاً 10: 108 ـ 109.

[4] ابن الحديد 18: 351.

[5] وممن اعترف بذلک، کل من ابن حجر في الصواعق المحرقة: ص124 ط. مصر، وابو الفلاح عبد الحي الحنبلي في کتابه (شذرات الذهب): ص141 و150، والعلاّمة الابياري في کتابه (جالية الکدر) في شرح منظومة البرزنجي: ص207 ط. مصر والشيخ اليدخشي في کتابه (مفتاح النجا): ص189 مخطوط، والعلاّمة القندوزي الحنفي في کتابه (ينابيع المودة) 3: 113 مطبعة العرفان بيروت، والشيخ محمد خواجه بارسا البخاري في (فصل الخطاب) نقلاً عن ينابيع المودة: ص387 ط. اسلامبول، وغيرهم کثيرون.

[6] العنکبوت: 14.

[7] النساء: 19.

[8] مسند الإمام أحمد بن حنبل 5: 181، کنزل العمال 1: 44 ط. حيدآباد، وفي: ص47 و98، وذکره المناوي في فيض القدير في المتن 3: 14، وذکر في الشرح توثيق رجاله.

[9] اخرجه البخاري في کتاب الأحکام، ومسلم في کتاب الامارة، والترمذي، وأبي داود، وهذا اللفظ له 2: 421، کتاب المهديّ.

[10] مستدرک الحاکم 2: 448، المرقاة 5: 610، ذخائر العقبي: ص17، الصواعف المحرقة: ص140وصححه.

[11] الصواعق المحرقة: ص90، ذخائر العقبي: ص17، عن ابن عمر.

[12] روي هذا الحديث بالفاظ مختلفة ذات مضمون واحد في أکثر من خمسين مصدراً من مصادر الحديث عن أهل السنة منها: سنن البيهقي 8: 156 ـ 157، مجمع الزوائد 5: 218 و219 و223 و225 و313، ابن الحديد في شرح نهج البلاغة 9: 155، المستدرک علي الصحيحين للحاکم 1: 77، وذکره کذلک في ص177، وفي تلخيص الذهبي علي المستدرک في نفس الصفحات، ونقله ابن الأثير الجزري في جامع الأصول 4: 70، والطبراني في المعجم الکبير10: 350 ح10687.