بازگشت

الاختلاف في جده الأعلي


قال جماعة من أهل السنة: ان المهديّ ـ عليه السلام ـ من أولاد فاطمة لکنه من نسل ولدها الحسن، ولهم علي ذلک دليلان:

الأول: ما روي عن الإمام علي أنه نظر الي ابنه الحسن فقال: «ان ابني هذا سيد کما سماه النبي صلي الله عليه وآله وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمي باسم نبيکم يشبهه في الخُلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلاً». [1] .

الثاني: قالوا: وفي کونه من ولد الحسن ـ رضي الله عنه ـ سر لطيف وهو ان الحسن ترک الخلافة لله فجعل الله في ولده من يقوم بالخلافة الحقة المتضمنة للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنّة الله في عباده انه من ترک شيئاً لأجله أعطاه الله أو أعطي ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين ـ رضي الله عنه ـ فانه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها. [2] .

ذکر هذين الدليلين ابن قيم الجوزية، [3] وکلاهما باطلان: أما الحديث فعلماء الجرح والتعديل من أهل السنة کلهم متفقون علي ضعف رجاله وانقطاع سنده بما فيهم ابن قيم الجوزية، واذا شئت راجع کتابه (المنار المنيف). [4] فانه تصدي لتضعيف هذا الحديث بنفسه.

واما قوله: بان الحسن ترک الخلافة والحسين حرص عليها، وقاتل من اجلها، فهو محض افتراء وکذب صريح علي أولاد الأنبياء، وعلي هذين السبطين والإمامين العظيمين، بل هو تزوير للتاريخ وتزييف للحقائق والوقائع المشهورة، فالتاريخ يشهد ان الحسن ـ عليه السلام ـ لم يترک الخلافة لمعاوية بمحض ارادته، بل ترکها مضطراً مکرهاً، بعد أن غدر به أصحابه الذين أغري معاوية الأکثرية منهم بالأموال والمناصب. [5] .

ونقل التاريخ ان معاوية دخل الکوفة في عام الصلح وخطب فيها، فذکر علياً عليه السلام، ونال منه ومن الحسن، فقام الحسن عليه السلام، وقال:

«أيها الذاکر علياً، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوک صخر، وأمي فاطمة وأمک هند، وجدي رسول الله وجدک عتبة بن ربيعة، وجدتي خديجة وجدتک قتيلة، فلعن الله أخملنا ذکراً، والأمنا حسباً، وشرنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا کفراً ونفاقاً)، فقالت طائفة من أهل المسجد آمين، ونحن نقول کذلک آمين.

بربک هل يتنازل سبط الطاهرين وابن خاتم المرسلين عن الخلافة بملئ ارادته، لرجل شهد له بنفسه بقديم کفره ونفاقه وخباثة نسبه ومنشأه، اللهم لا يقول بذلک إلاّ النواصب الذين لا فرق عندهم بين ابناء الطلقاء، وابناء الأصفياء، ولا يميزون الخبيث من الطيب، من أمثال ابن القيم الجوزية.

والثابت في التاريخ أن الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ خرج الي العراق وهو علي علم بانهم سيقتلونه، وهو القائل:

«وأيم الله لو کنت في حجر هامة من هذه الهوام، لاستخرجوني حتي يقضوا فيَّ حاجتهم، ووالله ليعتدن عليّ کما اعتدت اليهود في السبت، [6] واني ماض في أمر رسول الله حيث امرني و إنّا لله وإنّا إليه راجعون». [7] .

کيف يقال اذن لثائر ينعي نفسه قبل أن يضرب بالصفاح في ساحة الجهاد والشهادة، انه يطلب الدنيا ويحرص علي الخلافة؟ وکيف يُتهم ابن المصطفي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـبانه طالب دنيا؟ وهذه بيانات ثورته في تصريحاته تشهد له علي عکس ما يقولون أليس هو القائل يوم کربلاء:

«أيها الناس إن رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ قال: من رأي سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناکثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول کان حقاً علي الله أن يدخله مدخله، ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وترکوا طاعة الرحمان، واظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفئ واحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير». [8] .

وقوله ـ عليه السلام ـ: «انا أحق من غير» يوضح معني قوله السابق: «واني ماض في أمر رسول الله حيث أمرني و إنا لله و إنا اليه راجعون»، فهو ماض في طريق الثورة لتغيير الواقع المنحرف الفاسد في السلطة والمجتمع، تنفيذاً لأمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وان کان الموت ينتظره والشهادة مصيره.

فصلح الحسن وکربلاء الحسين لا يلتقيان مع دليل ابن الجوزية لاثبات المهدوية لابناء الحسن، واذا نظرنا لادلة الإمامية في اثبات المهدوية الحقة لنسل الإمام الحسين، علمنا ان ابن الجوزية وأمثاله انما ينسجون للناس التصورات الموهومة عن المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ من خيوط بيوت العنکوت، فعلماء الإمامية يمتلکون شهادة التاريخ التي تثبت ولادة المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ من أبيه العسکري حفيد الإمام الحسين عليه السلام، ويوافقهم علي ذلک عشرات العلماء من أهل السنة، وشهادة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ عندهم تغني عن کل الشهادات، لأنهم ادري بالذي فيه من ابنائهم وانسابهم وماضيهم ومستقبلهم. فاذا وجدنا مع هذه الشهادات روايات من أهل السنة تصرح بان المهديّ المنتظر ـ عليه السلام ـ من ابناء الحسين عليه السلام، تسقط رواية أبي داود من الاعتبار نهائياً، وقد وجدنا هذه الروايات فعلاً.

منها رواية حذيفة قال: (خطبنا النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ فذکر ما هو کائن ثم قال: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطول الله عزّ وجلّ ذلک اليوم حتي يبعث فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي»، فقال سلمان الفارسي: يا رسول الله من أي ولدک؟ قال: «من ولدي هذا وضرب بيده علي الحسين». [9] .

وعن أبي وائل قال: (نظر أمير المؤمنين علي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ الي الحسين فقال: «ان ابني هذا سيد کما سماه رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـوسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيکم يشبهه في الخلق والخُلق يخرج علي حين غفلة من الناس.. يملأ الأرض عدلاً کما ملئت ظلماً وجوراً». [10] .

وروي من طرق الفريقين خروج ثائر من ولد الحسن ـ عليه السلام ـ قبل المهديّ ـ عليه السلام ـ من المشرق بفترة قصيرة وهو ممدوح السيرة، وعلي اعتاب ثورته يخرج المهديّ عليه السلام، فاذا خرج التقي به السيد الحسني وسلّم عليه وقال له:

(يا ابن العم انا أحق بهذا الجيش منک انا ابن الحسن وأنا المهديّ، فيقول له المهديّ ـ عليه السلام ـ: «بل انا المهديّ»، فيقول له الحسني: هل لک من آية فابايعک؟ فيومئ المهديّ ـ عليه السلام ـ الي الطير فيسقط علي يديه، ويغرس قضيباً في بقعة من الأرض فيخضر ويورق، فيقول له الحسني: يا ابن العم هي لک). [11] وعبرت بعض الروايات عن المهديّ بالحسيني. قال الشريف البزرنجي: (في هذا الحديث فائدة واشکال، أما الفائدة فانها تدل علي ان المهديّ من أولاد الحسين، وان ابن عمه هذا حسني...). [12] .


پاورقي

[1] سنن ابن داود.

[2] المنار المنيف: ص151.

[3] المنار المنيف، ذکر الحديث في: ص144، برقم 329، ثم استدل علي کون المهديّ من ابناء الحسن: ص151 من کتابه.

[4] المنار المنيف: ص144 ح329، مختصر سنن ابي داود للحافظ المنذري: ج6 ح4121، الاذاعة لمحمد صديق القنوجي البخاري: ص137.

[5] تاريخ الطبري 6: 92، ابن أبي الحديد 4: 697، مجمع الزوائد 9: 172.

[6] الطبري 6: 217، البداية والنهاية 8: 169.

[7] مقتل الحسين للخوارزمي 1: 158.

[8] الکامل في التاريخ 3: 280، الطبري 4: 304.

[9] دخائر العقبي: ص136، فرائد السمطين 2: 575، المعجم الأوسط للطبراني لکنه ذکره الي قوله: (اسمه اسمي)، وسکت، المنار المنيف: ص148 ح3339.

[10] اسني المطالب للجزري: ص130، وفي نسخة لابن حماد أيضاً: ص103، الملاحم والفتن لابن طاووس: ص144، کتاب الغيبة للنعماني 2: 214، العمدة: ص434 ح912، نقلاً عن الجمع بين الصحاح.

[11] عقد الدرر ليوسف الشافعي: ص137 ـ 138.

[12] الإشاعة: ص96 ـ 97.