بازگشت

علم الصحابة بالمعنيين بحديث الثقلين


ان العودة السريعة الي أزمان صدور الحديث [1] تؤکد لنا أهمية حديث الثقلين (القرآن و العترة)، و قيمة ارجاع الأمة فيه الي العترة لأخذ الدين الحق عنهم، و تزادا أهميته کثيرا بالوقوف علي أسباب التأکيد عليه في مناسبات مختلفة و نوب متفرقة؛ منها في يوم الغدير، و آخرها في مرضه صلي الله عليه و آله الأخير.



[ صفحه 47]



هذا فضلا عن تأکيده صلي الله عليه و آله المستمر علي الاقتداء بعترته أهل بيته، و الاهتداء بهديهم، و التحذير من مخالفتهم، و ذلک بجعلهم: تارة کسفن للنجاة، و أخري أمانا للأمة، و ثالثة کباب حطة.

و في الواقع لم يکن الصحابة بحاجة الي سؤال و استفسار من النبي صلي الله عليه و آله لتشخيص المراد بأهل البيت، و هم يرونه و قد خرج للمباهلة و ليس معه غير أصحاب الکساء و هو يقول: «اللهم هؤلاء أهلي» و هم من أکبر الناس معرفة بخصائص هذا الکلام، و ادراکا لما ينطوي عليه من قصر و اختصاص.

خصوصا و قد علموا کيف جذب صلي الله عليه و آله طرف الکساء من يد ام سلمة و منعها من الدخول مع أهل بيته قائلا لها «انک الي خير». [2] .

و شاهدوه أيضا و هو يقف صلي الله عليه و آله علي باب فاطمة عليهاالسلام صباح کل يوم و لمدة تسعة أشهر و هو يقرأ: (انما يريد الله ليذهب عنکم الرجس أهل البيت و يطهرکم تطهيرا). [3] [4] .



[ صفحه 48]



و کل هذا يکفي لمن شاهد ذلک أو سمع به من الصحابة لأن يعرف من هم أهل البيت عليهم السلام، و أما ما يقال بأن معرفة الصحابة بأهل البيت کانت مقتصرة علي أصحاب الکساء عليهم السلام، في حين أشار الحديث الي استمرار وجودهم مع القرآن ليکونا لمن تمسک بهما عاصمين من الضلالة الي يوم القيامة، و هذا يبرر لهم السؤال عمن سيأتي بعد أصحاب الکساء عليهم السلام من أهل البيت لکي تعرف الأمة أسماءهم و لا يشتبه أحد بهم.

و الجواب: ان حاجة الصحابة و الأجيال اللاحقة فيما بعد ليس أکثر من تشخيص أولهم ليکون المرجع للقيام بمهمته بعد النبي صلي الله عليه و آله حتي يأخذ دوره في عصمة الأمة من الضلالة، و هو بدوره مسؤؤل عن تعيين من يليه في هذه المهمة، و هکذا حتي يرد آخر عاصم من الضلالة مع القرآن علي النبي صلي الله عليه و آله الحوض.

و اذا علمت أن عليا عليه السلام قد تعين بنصوص لا تحصي، و منها: في حديث الثقلين نفسه، فليس من الضروري اذن أن يتولي النبي صلي الله عليه و آله بنفسه تعيين من يلي أمر الأمة باسمه في کل عصر وجيل، ان لم نقل انه غير طبيعي لو لا أن تقتضيه بعض الاعتبارات. [5] .

فالمقياس اذن في معرفة امام کل عصر وجيل: اما أن يکون بتعيينهم دفعة واحدة، أو بنص السابق علي امامة اللاحق و هو المقياس الطبيعي المألوف الذي دأبت عليه الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام، و عرفته البشرية في سياساتها منذ أقدم العصور و الي يوم الناس هذا.



[ صفحه 49]



و مع هذا فان الصحابة لم يکونوا علي جهل تام بهوية من سيأتي بعد أصحاب الکساء عليهم السلام، اذ علموا مسبقا بعدد الأئمة بعد النبي صلي الله عليه و آله و هم اثنا عشر علي لسان رسول الله صلي الله عليه و آله کما سيأتي في القاعدة الرابعة، و فيهم من علم أسماءهم عليهم السلام من رسول الله صلي الله عليه و آله مباشرة کجابر بن عبد الله الأنصاري، [6] و ابن عباس [7] و سلمان الفارسي رضي الله عنه، [8] هذا فضلا عمن علم منهم بانحدار بقية أهل البيت من صلب الامام الحسين عليه السلام، و ان عددهم لا يزيد و لا ينقص عن تسعة، و ان تاسعهم هو المهدي الموعود، و من جملة من علم ذلک، أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، و علي الهلالي، و غيرهم کثير. [9] .

و اذا ما عدنا الي واقع أهل البيت عليهم السلام نجد النص قد توفر علي امامتهم بکلا طريقيه: النص المستطيل الشامل، و تعيين السابق للاحق، و من سبر الواقع التاريخي لسلوکهم علم يقينا بأنهم ادعوا لأنفسهم



[ صفحه 50]



الامامة في عرض السلطة الزمنية، و اتخذوا من أنفسهم کما تخذهم الملايين من أتباعهم أئمة وقادة للمعارضة السلمية للحکم القائم في زمانهم، مع ارشاد کل امام أتباعه علي من يقوم بأمر الامامة من بعده، و علي هذا جرت سيرتهم، فکانوا عرضة للمراقبة و السجون و الاستشهاد بالسم تارة، و في سوح الجهاد تارة.خري و علي أيدي القائمين بالحکم أنفسهم. [10] .

ثم لو فرض أن أحدهم لم يعين لأتباعه من يقوم بأمر الامامة من بعدق، مع فرض توقف النص عليه، فان معني ذلک بقاء ذلک الامام خالدا مع القرآن في کل عصر وجيل؛ لأن دلالة «لن يفترقا حتي يردا علي الحوض» علي استمرار وجود امام من العترة في کل عصر کاستمرار وجود القرآن الکريم ظاهرة واضحة، و لهذا ذهب ابن حجر الي القول: «و في أحاديث الحث علي التمسک بأهل البيت اشارة الي عدم انقطاع متأهل منهم للتمسک به الي يوم القيامة، کما أن الکتاب العزيز کذلک، و لهذا کانوا أمانا لأهل الأرض، و يشهد لذلک الخبر: «في کل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي». [11] .


پاورقي

[1] الثابت هو أن حديث الثقلين الشريف قد أکده رسول الله صلي الله عليه و آله علي امته في أکثر من مکان و زمان؛ فمرة في حجة الوداع کما في حديث جابر، و اخري عند منصرفه من الطائف کما في حديث عبد الرحمن بن عوف، و ثالثة في الجحفة قرب غدير خم کما في حديث زيد بن أرقم و غيره، و رابعة في مرض موته صلي الله عليه و آله کما في حديث ام سلمة و قد امتلأت الحجرة من أصحابه، و خامسة في المسجد النبوي الشريف قبل وفاته صلي الله عليه و آله بيومين أو ثلاثة، و غيرها کما يتضح من مراجعة مصادر الحديث السابقة.

[2] تفسير الطبري 22: 5-7، و الجامع لأحکام القرآن القرطبي المالکي 182:14، و تفسير ابن کثير 492:3، و الدر المنثور السيوطي 604-603:3، و فتح الغدير الشوکاني 279:4 کلهم في تفسير آية التطهير، و انظر: سنن الترمذي 3871:699:5 و مستدرک الحاکم 426:2.

[3] سورة الأحزاب 33:33.

[4] راجع: الأحاديث الواردة في وقوف النبي صلي الله عليه و آله علي باب فاطمة عليهاالسلام و هو يقرأ آية التطهير في تفسير الطبري 6:22.

[5] راجع: الأصول العامة للفقه المقارن السيد محمد تقي الحکيم 175.

[6] اصول الکافي 9:532:1 باب 126، و اکمال الدين 4:313:1 باب 28، و ينابيع المودة 170:3 باب 94.

[7] ينابيع المودة 162:3 باب 94 و 83:2 المودة العاشرة (في عدد الأئمة، و ان المهدي منهم عليهم السلام).

[8] أصول الکافي 1:525:1 باب 126.

[9] انظر: البيان في أخبار صاحب الزمان الکنجي الشافعي: 502-501، و الفصول المهمة ابن الصباغ المالکي 296-295 فصل 120، و ينابيع المودة القندوزي الحنفي 149:3 باب 94، و في کفاية الأثر للخزاز جمع غفير من الصحابة الذين وعوا هذه الحقيقة ورووها لمن بعدهم.

[10] راجع: الأصول العامة للفقه المقارن: 118.

[11] الصواعق المحرقة: 149.