بازگشت

کيف کان اماماً وهو في الخامسة من عمره


والجواب: إنَّ الاِمام المهدي عليه السلام خَلَفَ أباه في إمامة المسلمين، وهذا يعني أنّه کان إماماً بکلّ ما في الاِمامة من محتويً فکري وروحي في وقتٍ مبکر جداً من حياته الشريفة.

والاِمامة المبکرة ظاهرة سَبَقَهُ إليها عدد من آبائه عليهم السلام، فالاِمام الجواد محمد بن علي عليه السلام تولّي الاِمامة وهو في الثامنة من عمره، والاِمام علي



[ صفحه 163]



بن محمد الهادي عليه السلام تولّي الاِمامة وهو في التاسعة من عمره، والاِمام أبو محمد العسکري وهو والد الاِمام المهدي المنتظر تولّي الاِمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره، ويلاحظ أن ظاهرة الاِمامة المبکرة بلغت ذروتها في الاِمام المهدي والاِمام الجواد، ونحن نسمّيها ظاهرة لاَنّها کانت بالنسبة إلي عدد من آباء المهدي عليهم السلام تشکل مدلولاً حسيّاً عملياً عاشه المسلمون، ووعوه في تجربتهم مع الاِمام بشکل وآخر، ولايمکن أن يُطالب بإثبات ظاهرة من الظواهر هي أوضح وأقوي من تجربة أُمّة، ونوضح ذلک ضمن النقاط الآتية:

1 ـ لم تکن إمامة الاِمام من أهل البيت عليهم السلام مرکزاً من مراکز السّلطان والنفوذ التي تنتقل بالوراثة من الاَبِ إلي الابن، ويدعمها النظام الحاکم کما کان الحال في الامويين والفاطميين والعباسيّين، وإنّما کانت تکتسب ولاءَ قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحي والاِقناع الفکري لتلک القواعد بجدارة هذه الاِمامة لزعامة الاِسلام وقيادته علي أُسس فکرية وروحية.

2 ـ إنَّ هذه القواعد الشعبية بُنيت منذُ صدر الاسلام، وازدهرت واتّسعت علي عهد الاِمامين الباقر والصادق عليهما السلام وأصبحت المدرسة التي رعاها هذان الاِمامان، في داخل هذه القواعد، تشکل تياراً فکرياً واسعاً، في العالم الاسلامي يضمُّ المئات من الفقهاء والمتکلمين والمفسرين والعلماء في مختلف ضروب المعرفة الاسلامية والبشرية المعروفة وقتئذٍ، حتي قال الحسن بن علي الوشاء: «فإنّي أدرکت في هذا المسجد ـ يعني مسجدَ الکوفة ـ تسعمائة شيخٍ کلٌّ يقول حدثني جعفر بن محمد» [1] .



[ صفحه 164]



3 ـ إنَّ الشروط التي کانت هذه المدرسة، وما تمثله من قواعد شعبية في المجتمع الاسلامي، تؤمن بها، وتتقيد بموجبها في تعيين الاِمام والتعرّف علي کفاءته للاِمامة شروط شديدة، لاَنها تؤمن بأن الاِمام لايکون إماماً إلاّ إذا کان معصوماً وکان أعلم علماء عصره.

4 ـ إنَّ المدرسة وقواعدها الشعبية کانت تقدّم تضحيات کبيرة في سبيل الصمود علي عقيدتها في الامامة؛ لاَنّها کانت في نظر السلطة المعاصرة لها تشکل خطاً عدائياً، ولو من الناحية الفکرية علي الاَقل، الاَمر الذي أدّي إلي قيام السلطات وقتئذٍ وباستمرار تقريباً بحملات من التصفية والتعذيب، فَقُتِل من قُتِل، وسُجنَ من سُجِنَ، ومات المئات في ظلمات المعتقلات. وهذا يعني أن الاعتقاد بامامة أئمة أهل البيت عليهم السلام کان يکلفهم غالياً، ولم يکن له من الاِغراءات سوي ما يُحسُّ به المُعْتَقِد أو يفترضه من التقرّب إلي الله تعالي والزلفي عنده.

5 ـ إنَّ الاَئمة الذين دانت هذه القواعد الشعبية لهم بالاِمامة، لم يکونوا معزولين عنها، ولامتقوقعين في بروجٍ عاجية عالية شأن السلاطين مع شعوبهم، ولم يکونوا يحتجبون عنهم إلاّ أن تحجبهم السلطة الحاکمة بسجنٍ أو نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الکبير من الرواة والمحدّثين عن کل واحدٍ من الاَئمة الاَحدَ عشرَ من آباء المهدي عليه السلام، ومن خلال ما نُقل من المکاتبات التي کانت تحصل بين الاِمام ومعاصريه، وما کان يقوم الاِمام به من أسفار من ناحيةٍ، وما کان يبثّهُ من وکلاء في مختلف أنحاء العالم الاسلامي من ناحية أُخري، وما کان قد اعتاده الشيعة من تفقّد أئمتهم وزيارتهم في المدينة المنورة عندما يؤمّون الديار المقدّسة من کلِّ مکان لاَداء فريضة الحج، کل ذلک يفرض تفاعلاً مستمراً بدرجة واضحةٍ بين الاِمام وبين قواعده الممتدة في أرجاء العالم الاِسلامي بمختلف



[ صفحه 165]



طبقاتها من العلماء وغيرهم.

6 ـ إنَّ السلطة المعاصرة للاَئمة عليهم السلام کانت تنظر إليهم والي زعامتهم الروحية بوصفها مصدر خطرٍ کبير علي کيانها ومقدّراتها، وعلي هذا الاَساس بذلت کلَّ جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وتحملت في سبيل ذلک کثيراً من السلبيات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينما اضطرّها تأمين مواقعها إلي ذلک، وکانت حملات المطاردة والاعتقال مستمرة للائمة أنفسهم علي الرغم مما يخلّفه ذلک من شعور بالاَلم أو الاشمئزاز عند المسلمين، ولاسيما الموالين علي اختلاف درجاتهم.

وإذا اخذنا بنظر الاعتبار هذه النقاط الست، وهي حقائق تاريخية لا تقبل الشک، أمکن أن نخرجَ بالنتيجة الآتية:

إنَّ ظاهرة الاِمامة المبکرة کانت ظاهرة واقعية ولم تکن وَهماً من الاَوهام؛ لاَنَّ الاِمام الذي يبرز علي المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحياً وفکرياً للمسلمين، ويدينُ له بالولاء والاِمامة کل ذلک التيار الواسع لابدَّ أن يکون في أعلي الدرجات والمراتب من العلم والمعرفة وسعة الاُفق والتمکّن من الفقه والتفسير والعقائد، لاَنه لو لم يکن کذلک لما أمکن أن تقتنعَ تلک القواعد الشعبية بإمامته، مع ما تقدّم من أن الاَئمة کانوا في مواقع تتيحُ لقواعدهم التفاعل معهم، وللاَضواء المختلفة أن تُسلط علي حياتهم وموازين شخصيتهم، فهل تري أن صبيّاً يدعو إلي إمامة نفسه وينصب منها علماً للاسلام وهو علي مرأيً ومسمع من جماهير قواعده الشعبية، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلک الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تکلّف نفسها اکتشاف حاله، وبدون أن تهزّها ظاهرة هذه الاِمامة المبکرة لاستطلاع حقيقة الموقف وتقييم هذا الصبيّ الاِمام؟



[ صفحه 166]



وهَبْ أنَّ الناس لم يتحرکوا لاستطلاع الموقف، فهل يمکن أن تمرَّ المسألة أياماً وشهوراً بل أعواماً دون أن تتکشّف الحقيقة علي الرغم من التفاعل الطبيعي المستمر بين الصبيّ الاِمام وسائر الناس؟

وهل من المعقول أن يکون صبيّاً في فکره وعلمه حقاً ثم لايبدو ذلک من خلال هذا التفاعل الطويل؟

واذا افترضنا أنَّ القواعد الشعبية لامامة أهل البيت لم يُتَح لها أن تکتشف واقع الاَمر، فلماذا سکتت السلطة القائمة ولم تعمل علي کشف الحقيقة إذا کانت في صالحها؟ وما کان أيسر ذلک علي السلطة القائمة لو کان الاِمام الصبيّ صبيّاً في فکره وثقافته کما هو المعهود في الصبيان؟ وما کان أنجحه من أسلوب أن تقدّم الصبي إلي شيعته وغير شيعته علي حقيقته، وتبرهن علي عدم کفاءته للاِمامة والزعامة الروحية والفکرية. فلاِن کان من الصعب الاِقناع بعدم کفاءة شخص في الاَربعين أو الخمسين لتسلّم الاِمامة، فليس هناک صعوبة في الاِقناع بعدم کفاءة صبي اعتيادي مهما کان ذکياً وفطناً للاِمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الاِمامية وکان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقدة وأساليب القمع والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذٍ.

إنَّ التفسير الوحيد لسکوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة هو أنها أدرکت أنَّ الاِمامة المبکرة ظاهرة حقيقية وليست شيئاً مصطنعاً.

والحقيقة أنها أدرکت ذلک بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلک الورقة ـ أي تعريضه للاختبار ـ فلم تستطع، والتأريخ يحدّثنا عن محاولات من هذا القبيل وعن فشلها، بينما لم يحدّثنا إطلاقاً عن موقف تزعزت فيه ظاهرة الاِمامة المبکّرة أو واجه فيه الصبيّ الاِمام إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه.



[ صفحه 167]



وهذا معني ما قلناه من أنَّ الاِمامة المبکّرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت عليهم السلام، وليست مجرّد افتراض، کما أنَّ هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتدّ عبر الرسالات والزعامات الربانية، ويکفي مثالاً لظاهرة الاِمامة المبکّرة في التراث الرباني: النبي يحيي عليه السلام، قال تعالي: (يَايَحْيَي خُذِ الْکِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيناهُ الْحُکْمَ صَبِيّاً..) [2] .

ومتي ثبت أن الاِمامة المبکّرة ظاهرة واقعية وموجودة فعلاً في حياة أهل البيت، لم يَعُدْ هناک اعتراض فيما يخصّ حياة المهدي عليه السلام، وخلافته لاَبيه وهو صغير.


پاورقي

[1] رجال النجاشي: 40 / 80 في ترجمة الحسن بن علي بن زياد الوشاء.

[2] سورة مريم: 19 / 12. وقد مرّ في الفصل الثاني برقم 5 و 8 اعتراف أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي، وأحمد بن يوسف القرماني الحنفي بان المهدي عليه السلام اُعطي الحکمة وهو صبيٌّ، فراجع.