بازگشت

في المنزلة السيئة و القيمة المنحطة لأعداء المهدي في عصر الهد


في المنزلة السيئة و القيمة المنحطة لأعداء المهدي (ع) في عصر الهدنة، عصر الغيبة الکبري و ما قبله.

روي النعماني في الغيبة [1] و الصدوق في الاکمال [2] و الطبرسي في الاعلام [3] عن أبي عبدالله عليه السلام قال: أقرب ما يکون العباد الي الله عزوجل، و أرضي ما يکون عنهم اذا فقدوا حجة الله، فلم يظهر لهم، و لم يعلموا بمکانه. و هم في ذلک يعلمون أنه لم تبطل حجج الله عنهم و لا تبطل بينانه. فعندها فتوقعوا الفرج صباحا و مساء.

و ان أشد ما يکون غضب الله علي أعدائه، اذا افتقدوا حجته، فلم يظهر لهم. و قد علم أن أولياءه لا يرتابون. و لو علم أنهم يرتابون لما غيب عنهم حجته طرفة عين. و لا يکون ذلک الا علي رأس شرار الخلق.

و يقع الکلام في هذه الرواية، ضمن عدة نقاط:

النقطة الأولي:

فيما هو مقتضي القاعدة لتحديد درجة مسؤولية الفرد تجاه العصيان لأحکام الاسلام في عصر الغيبة الکبري.

الصحيح هو تضاول المسوولية الي حد ما في العصيان أثناء عهد الفتن و الانحراف و الاغراء، عنها في الزمن المعاصر لعصر التشريع... لکن لا بدرجة يلزم منها انعدام الاختيار و سقوط التکليف.

و يتم البرهان علي ذلک بمعرفة عدة مقدمات:



[ صفحه 380]



المقدمة الأولي:

في ايضاح مراتب الجبر و الاختيار.

فان الفرد لا تکون ارادته في کل الأفعال علي حد سواء، بل تختلف علي مراتب متعددة، تضعف في بعضها حتي تنعدم و توجد في بعضها حتي تتضح... کما يبدو من المراتب الاتية:

المرتبة الأولي:

الجبر الفلسفي، بمعني أن الانسان يقوم بأعماله، کما يصدرالنور من الشمس و الرائحة من الزهر، أو کالقلم بيد الکاتب و العصا في يد الضارب. و هو أعلي درجات الجبر و انعدام الارادة و فقدان الاختيار.

و يقوم هذا الجبر علي أحد أساسين:

الأساس الأول:

الأساس المادي.. کالقول بالمادية التاريخية، الذي يربط التطورات التاريخيد، و جميع تصرفات الأفراد بتطور وسائل الانتاج. فالفاعل الموثر- في الحقيقة - هي هذه الوسائل، و ليس للانسان أي يد في تغيير ما يقوم به من أعمال.

و هذا واضح من اتجاه الماديين التاريخيين، اذ لو کان للأفراد اختيار في أفعالهم، لکانوا هم صانعي التاريخ و المشارکين في تطويره، و لم يکن تطويره مستندا تماما الي وسائل الانتاج، کما قد أکدوا عليه.

و الظاهر أن کل المذاهب المادية، تقول بالجبر الفلسفي هذا، باعتبار أن القول بالاختيار اعتراف بأمر ميتافيزيقي لا يمکنهم الايمان به. علي أنه يتضمن المنافاة للعلل المادية الضرورية التأثير في الانسان... تلک العلل التي تقدمها هذه المذاهب.

الأساس الثاني:

الأساس الالهي، بمعني أن الله تبارک و تعالي هو الفاعل الموثر في ايجاد أفعال الانسان، ايجاد قهريا. و أشهر من يقول بذلک هم الأشاعرة من المسلمين و اليهود من أهل الکتاب.



[ صفحه 381]



و کلا الأساسين باطلان في الاسلام: أما الأساس الأول، فباعتبار مناقضة المادية مع الاسلام في النظر الي الکون والحياة أساسا کما هو المبرهن عليه في کتب العقائد. و أما الأساس الثاني، فلاستلزامه بطلان الثواب و العقاب، و سقوط الفرد عن استحقاقه. کما هو المبرهن عليه في کتب العقائد أيضا.

المرتبة الثانية:

القسر علي فعل معين، بعد الاعتراف ببطلان الجبر في المرتبة الأولي... کما لو شد وثاق شخص بحبل - مثلا - و القي في فمه الماء أو الطعام، أو نقل من مکان الي آخر محمولا.

و لا يسمي ذلک بالاضطرار اصطلاحا، و ان کان يمکن أن يسمي به.

المرتبة الثالثة:

الاکراه، مع افتراض توفر الاختيار في المرتبتين السابقتين.

و أوضح أشکاله هو التهديد بالقتل أو بالشر المستطير، لشخص علي أن يعمل عملا ما، تهديدا قابلا للتطبيق... فيضطر الفرد لايقاع الفعل قهرا عليه.

و لهذا الاکراه أشکال أخري، کما لو کان التهديد متوجها الي شخص و الأمر متوجها الي شخص آخر. کما لو أمرک شخص بفعل، مهددا اياک بقتل ولدک مثلا. و کما لو کان الامر متعلقا بايقاع أحد أمور متعددة، لا بايقاع شي ء واحد. مثل ما اذا قال ذلک الشخص: اعمل کذا أو کذا و الا قتلتک.

المرتبة الرابعة:

الاضطرار، و هو الالتجاء الي فعل معين تجنبا لأمر آخر و شيک الوقوع عليه. کما لو باع داره التي يسکنها لسداد دينه أو الصرف علي صحته... و غير ذلک.

و هاتان المرتبتان غير منافيتين للاختيار بالدقة، فان الفرد يوقع الفعل بارادته علي أي حال، و ان کان فعله قد يکون مخالفا لهوي النفس أو للعقيدة التي يحملها مخالفة شديدة، علي حين کانت المرتبتان الأوليتان، منافيتين مع الاختيار مباشرة، اذ لا معني للاختيار الفعلي مع أي منهما.



[ صفحه 382]



المرتبة الخامسة:

ما نستطيع أن نسميه بالاضطرار غير المباشر. و هو عبارة عن ردود فعل معينة تجاه مؤثرات عامة أو خاصة، يقوم بها الانسان بارادته و اختياره. لکن لا يکاد يوجد له منها مناص عرفا و عادة... و ان وجد المناص منها عقلا.

يندرج في ذلک الکثير من الأفعال، کاضطرار التاجر الي بيع سلعته بأرخض مما شتراها احيانا. و کاستمرار المعتاد أو المدمن علي شي ء، و عدم استطاعته ترک عادته،کالادمان علي الخمر أو التدخين مثلا. و کاستمرار المختص بحقل من حقوق المعرفة في التدقيق و زيادة البحوث في حقله،دون الحقول الأخري. فالطبيب المتمرس - مثلا - لا يمکن له أن يکون فيزياويا أو مهندسا معماريا. و کالتزام الشخص الاعتيادي بتقاليد مجتمعه و عقائد آبائه. و کاضطرار الجوعان الي الطعام في موعده، ما لم يصل الي حد الخوف من الهلاک، فيکون مندرجا في المرتبة السابقة.

و لهذه المرتبة مستويان يختلفان في درجة انحفاظ الاختبار.

المستوي الأول:

أن تکون ظروف الفرد وملابساته تعين عليه الفعل، بحيث يکون قاصرا عن ترکه، و لا مناص به عرفا عنه.

المستوي الثاني:

أن لا يبلغ التسبيب الي درجة القصور، بل تکون له فرصة الاختيار عرفا، و ان کان الدافع الي الفعل و الحافز عليه شديدا.

وأمثلة هذين المستويين، نسبية تختلف بين فرد و آخر و فعل آخر، بحسب اختلاف الظروف النفسية و العقلية و الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية و غيرها، مما يمر به هذا الفرد أو ذاک. فقد يکون الفرد قاصرا عن ترک شي ء، و لا يکون فرد آخر قاصرا عن ترک نفس الشي ؤ. أو يکون فرد قاصرا عن شي ء دون شي ء آخر. فمثلا قد يکون أحد الأطباء قادرا بحسب ظروفه علي أن يختص بالفيزياء أيضا. و لا يکون طبيب آخر غير قادر علي ذلک، بحسب ظروفه و هکذا.



[ صفحه 383]



المرتبة السادسة:

الاختيار المطلق، بمعني أن يکون للفرد حرية الفعل و الترک معا، بمقدار خمسين بالمئة علي السواء.

و هذا أمر نسبي أيضا، فقد تکون أطراف التخيير کلها ممکنة، وليس في أحدها حافز أکثر من الاخر... و قد يکون في بعضها حافز أکثر، و قد يکون في بعضها مثبط أو مبعد. و قد يکون بعضها مضطرا الي فعله بالمرتبة الثانية أو الثالثة، و يکون الاختيار باعتبار الأطراف الأخري، و هکذا.

المقدمة الثانية:

اذا عرفنا هذه المراتب الست، أمکننا أن نعرف بوضوح اختلافها في درجة الاختيار، و أن نلاحظ اختلافها في درجة المسوولية القانونية المترتبة عليها.

فان کل فعل له أثر قانوني، تتناسب درجة مسوولية طاعته و عصيانه مع درجة الاختيار تناسبا طرديا. و يدور التشريع مدار الاختيار تماما، سواء کان التشريع عقليا أو شرعيا دينيا أو قانونا وضعيا. بل أن کل من يتصدي لوضع أي تشريع فانه يفترض سلفا أن من يأمره و ينهاه و يعاقبه شخص له اختيار الفعل و الترک... و الا فلا معني للأمر و النهي و لا للنصح و التوجيه... و يکون العقاب ظلما و الثواب لغوا. فانه اذا انعدم الاختيار، انعدمت المسوولية، اذ يکون للفرد العاصي عندئذ بأنه کان مقهورا و مجبورا علي العصيان... و لا معني لعقابه حينئذ.

فان قال قائل: فان هناک الکثيرون ممن يومنون بالوجود القانوني للتشريع و يعملون عليه. مع أنهم يومنون بالجبر و انعدام الاختيار بالمرة. کالماديين و الأشاعرة.

قلنا له: العمل علي التشريع من قبل هولاء، ناشي ؤ من أن وجدانهم الارتکازي قائم علي الاختيار، و حياتهم العملية قائمة علي الايمان به، من حيث أن تحمل مسوولية العصيان أمر عقلاني عام... فهم مومنون بالاختيار عمليا و ان اعتقدوا من الناحية الفلسفية بخلافه، و غفلوا عن المنافاة بين ثبوت المسوولية و بطلان الاختيار.

و علي أي حال، فالمسوولية القانونية، تزداد بازدياد الاختيار و تقل بقتله، کما



[ صفحه 384]



أنها توجد بوجوده و تنعدم بانعدامه. فهي موجودة في المرتبد الثالثة و ما بعدها بوجود الاختيار في هذه المراتب جميعا. نعم، قد يکون الفرد العادي معذورا في بعض مراتب الاکراه أو الاضطرار الشديدة، بالرغم من أنه يعتبر عاصيا بالدقة العقلية. کما أنه مع سعة الوعي و عمق الأثر، قد لا يکون الفرد معذورا حتي في هذه المرتبة، بل يجب عليه تحمل الشدائد في سبيل أهدافه.

خذ مثلا أن فردا عاديا اذا اضطر الي سرقة شي ء من المتاع أو أکره عليه کان معذورا... ولکن لو اکره الرئيس الأعلي للدولة أو أحد علماء الاسلام علي مثل هذه السرقة، لا يکون معذورا البتة، لأن في ذلک افتضاح دولته أو دينه، بل يجب عليه تحمل ما يکره و الصبر عليه. حتي لو کان هو القتل - أحيانا - اذا کان الهدف من العمق و الشمول، بحيث تبذل في سبيله النفوس.

و تتضاءل المسؤولية، بنقصان الاختيار، ففي مورد القصور - مثلا - تکون المسوولية منتفية الي حد کبير. لکنها في مورد الاضطرار غير المباشر تکون ثابتة علي شکل ناقص، لامکان أن يتصرف الفرد بکشل يختلف عما قام به من عمل، و يکون رد فعله تجاه الحافز بشکل آخر. و تکون المسوولية کاملة في صورة الاختيار المطلق، بطبيعة الحال.

و ليس تفاوت درجات المسوولية، بدعا من القول. بل له أمثلة کثيرة في القوانين. فمثلا: قسموا القتل الي عمد و شبه العمد والخطأ. و وجدوا من الظلم ايقاع عقاب المتعمد علي شبه العمد أو الخاطي ء. کما أنهم قسمواه الي ما کان عن سبق اصرار و ما لم يکن. ووجدوا من الظلم ايقاع العقاب الذي يستحقه الأول علي الثاني. و وجدوا من الظلم - أيضا - ايقاع عقاب السارق الاعتيادي علي السارق في المجاعة.

و نجد في الاسلام أن عقاب الزاني المحصن أشد من عقوبة غير المحصن. الي غير ذلک من الأمثله. کل ذلک لأن درجة الاختيار أخذت بالتضاول، فتضاءلت معها المسوولية، و من ثم درجة استحقاق العقاب.

و لک من المثالين الأخيرين خير ايضاح، فان درجة اختيار السارق العادي في ترک السرقة أکبر منها في السارق الجائع الذي لايجد قوتا... و ان کان الأخير



[ صفحه 385]



مذنبا أيضا. کما أن درجة اختيار المحصن المتزوج في التعفف عن الزنا أکبر من درجة الأعزب. و ان کان هذا مذنبا أيضا... و هکذا.

وليت شعري، لا أعلم ماذا يقول الماديون و غيرهم من القائلين بالجبر الفلسفي في مثل هذه المواردالواضحد قانونيا. فانها مما لا يمکن تفسير الفرق بين مراتبها بناء علي رايهمخ، اذ يکون کل العصاة مجبورين علي مستوي واحد علي العصيان. بل يکون هولاء القائلين بالجبر، مجبورين علي اتخاذ هذا الرأي أيضا!!.

المقدمة الثالثة:

أنه کلما توفرت و ازدادت أسباب الايمان بالاسلام بالنسبة الي الفرد، ازدادت درجة امکان اختياره له و اعتناقه اياه و اطاعته لتعاليمه. حتي ليصبح متساوي الأطراف،کالمرتبة السادسة، بل في طرف اعتناقه حفز قوي ودافع شديد، لا يوجد مثله في طرف ترکه. کما کان عليه الحال، فيما بعد الفتح في عصر النبي (ص)، حتي أننا سبق أن قلنا لأن الايمان بالغيب کاد أن يکون حسيا، و هو ما سوف يکون عليه الحال بعد الظهور. و في مثل ذلک يکون العصيان ذا مسوولية کبري و استحقاق کبير للعقاب.

و کلما صعب طريق الايمان و ازدادت عقباته و مزالقه، و تکثرت التضحيات التي يتطلبها و مقاومة أشکال الظلم و الاغراء التي يواجهها... کانت درجة الاختيار و المسوولية أقل، لا محالة، حتي تصبح من مرتبة الاضطرار غير المباشر بأحد المستويين السابقين. بل قد تنقص عن ذلک في بعض الأحيان.

و من الممکن القول: ان اکثر حالات العصيان والانحراف في عصر الفتن و الانحراف، حيث تترکز المصالح الخاصة و يقل الوازع الاخلاقي و الديني، و يدرک الفرد أن کثيرا من الأعمال المنحرفة تعتبر ضرورة من ضروريات حياته، و يتوقف أمنه و راحته عليها... ان اکثر هذه الحالات هي من قبيل الاضطرار غير المباشر بالمستوي الثاني علي أقل تقدير.

و أما القصور الحقيقي، فيمثل الجزء الأقل، من أسباب الأنحراف في العالم... باعتبار وضوح القضايا الدينية الاولية، کالتساول عن مبدأ العالم و الغاية



[ صفحه 386]



من خلقه. فاذا استطاع الفرد أن يسير سيرا حسنا في استنتاجه، استطاع الوصول الي الحق لا محالة. و من هنا، شجب القرآن تقليد الاباء لمنافاته الصريحة مع تلک القضايا الأولية الواضحة.

ولئن کان القصور، و هو الجزء الأقل من أسباب الانحراف في العالم، موجب للعذر عقلا و شرعا، فان الاضطرار غير المباشر، و هو الجزء الأغلب من الأسباب، غير موجب للعذر أساسا. لوجود الاختيار و المسوولية فيه الي درجة کافية. و خاصة بعد اتضاع معالم الحق، و قيام الحجة و البرهان عليه و امکان التضحية في سبيله الي درجة معقولة، من قبل الفرد العادي.

اذن ينتج من هذه المقدمات الثلاث: ان المسوولية القانونية، و ان کانت متوفرة للمنحرفين في عصر الغيبة الکبري، و لم يکن البشر معذورين في عقائدهم و اعمالهم الباطلة. الا أن الظروف التي يعيشونها تکففک من عمق المسوولية و تقلل من درجتها، بمقدار ما تقلل من درجة الاختيار، و تجعل الحافز علي الانحراف، قويا فعالا.

و الي مثل ذلک، و ما يشبهه تشير الرواية التي أخرجها الشيخ في الغيبة [4] . بطريق صحيح عن زرارة عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: حقيق علي الله أن يدخل الضلال الجنة. فقال زرارة: کيف ذلک جعلت فداک؟ قال: يموت الناطق و لا ينطق الصامت، فيموت المرء بينهما، فيدخله الله الجنة.

و الشرح الأولي لهذه الرواية: ان المراد من الضلال بالتشديد: المنحرفين من المسلمين، و ادخالهم الجنة انما يکون بسبب قلة المسووليد التي أشرنا اليها، حتي تکماد تنعدم فينعدم العقاب بالمرة. و ذلک في ظرف معقد خال من التبليغ الاسلامي،عند موت الناطق بالحق، و صمت الموجود.

و قد يراد بالناطق و الصامت، الأئمة المعصومين عليهم السلام. فيراد بالصامت الامام المهدي (ع) و بالناطق من قبله منهم عليهم السلام. و تکون الفترة المشار اليها، هو عصر الغيبة الکبري الذي نورخ له. کما قد يراد بالناطق و الصامت اي مفکر و مبلغ اسلامي و داعية الي الحق سواء کان معصوما أو لا.



[ صفحه 387]



فيکون المراد فترة أو عدة فترات صعبة من عصر الغيبة، مع افتراض وجود الارشاد الي الحق في غير هذه الفترات.

هذا، و أما الفهم الدقيق لهذه الرواية، فله مجال آخر، و يکفينا في هذا الصدد أن الفرق بين ما قلناه و بين مودي هذه الرواية: هو أن قلة المسوولية التي أشرنا اليها، ناتج من ظروف الظلم و الاغراء. و أما قلة المسوولية التي تشير اليها الرواية، فناتجة من ضعف التبليغ الاسلامي، و ما يسببه من الجهل و الفراغ العقائدي بشکل عام.

و کلا الامران صحيح، و موجب لضعف المسوولية، فضلا عما اذا اجتمعا، کما هو الموجود في عدد من عصور عصر الغيبة الکبري. و مرادنا من الاستشهاد بهذه الرواية، رفع الاستغراب من قلة المسوولية مع الانحراف.

النقطة الثانية:

أنه بالرغم مما قلناه من قلة المسوولية الي حد ما في عصر الفتن و الانحراف. الا أن ذلک لا ينافي قانون التمحيص. و لا ينافي صدق الرواية التي سبقت و دلت علي اشتداد غضب الله تعالي علي أعدائه اذا غيب حجته.

و يمکن أن نطلع علي ذلک من خلال جانبين:

الجانب الأول:

في أن قلة المسؤؤلية لا تنافي التمحيص.

و ذلک: لأننا لم نقل بانتفاء المسوولية، کيف... و ان عصيان الله من أشد الأمور مسوولية و اجراما. ولکننا قلنا بقلتها في صورة الاضطرار غير المباشر عن صورة الاختيار المطلق.أو بتعبير آخر، قلتها في عصر الفتن و الانحراف عن عصر التشريع و مجاورة قوادالاسلام، سواء السابقين منهم أو المهدي (ع) بعد ظهوره.

... فکل ما ينتج لدينا هو أن الفرد الفاشل في التمحيص في عصر الغيبة أخف جرما من شخص فاضل في عصر الظهور. تماما کما ينتج لدينا أن الشخص الناجح في التمحيص في عصر الغيبة أفضل و أحسن من الشخص «الناجح في



[ صفحه 388]



عصر الظهور» [5] لأن مضاعفة التمحيص و شدته، يلازم کله هذين الأمرين.

و معه يبقي التمحيص علي حاله، من حيص أساليبه و نتائجه:

أما أساليبه، فباعتبار أن قلد المسوولية النسبية، لا تعني تغير الواقع الذي يعيشه الفرد من الظلم والتعسف و الانحراف. کما لا تعني انعدام مسووليته تجاهه.

و أما نتائجه: فباعتبار أن التمحيص ينتج المطلوب الذي خططه الله تعالي من أجله، و هو وجود العدد الکافي من المخلصين الممحصين لنصرة المهدي (ع) بعد ظهوره و التشرف بحمل مسوولية الفتح العالمي. بل أن نتيجة التمحيص تکون بالنسبة الي الناجحين أفضل کما عرفنا، و ان کانت بالنسبة الي الفاشلين فيه قليلة.

الجانب الثاني:

في أن قلة المسوولية لا تنافي صدق الرواية. و ذلک بناء علي الايمان بغيبة الامام المهدي (ع) و خط آبائه عليهم السلام، الذي صدرت هذه الرواية علي أساسه.

و ذلک: لأن ما قلناه من قلة المسوولية يشارک فيها، الي حد کبير، البعد عن عصر التشريع و صعوبة الوصول الي تفاصيل الاسلام الا للاختصاصيين و المدققين الاسلاميين. و أما في عصر التشريع فهذه الصعوبة غير موجودة. لامکان الرجوع الي النبي (ص) أو الي الأئمة (ع) کل في عصره عند الحاجة. و وجوب ذلک في نظر الاسلام.

و نحن في تاريخ الغيبة الصغري [6] اقمنا القرائن الکافية التي تثبت ءن عددا من الخلفاء، کانوا يعرفون حق الأئمة عليهم السلام و صدقهم... و کانوا - مع ذلک - يناجزونهم المطاردة و التعسف و التنکيل.

و من هذا المنطلق بالتعيين، نعرف المراد من الرواية، اذ تقول: و ان أشد ما يکون غضب الله علي أعدائه اذا افتقدوا حجته، فلم يظهر لهم... الخ. و ذلک بعد الالتفات الي مقدمتين:



[ صفحه 389]



المقدمة الأولي:

ما عرفناه الان، من تضاعف المسؤولية في ذلک العصر، عنه في عصر الغيبة الکبري، و هذا في العصيان الاعتيادي، فکيف بمطاردة الأئمة (ع) و قواعدهم الشعبية، مع علم الحکام بأن الحق الي جانبهم.

المقدمة الثانية:

ان المراد من قوله في الرواية: اذا افتقدوا حجته.. النظر الي أول الغيبة، فقط. لأن الافتقاد أو الغيبة انما حصل في ذلک الحين، و أما ما بعده من الزمان، فهو استمرار لذلک المعني، و ليس افتقادا آخر.

فينتج من المقدمتين: ان المراد هو اشتداد غضب الله تعالي علي الحکام، في مبدا الغيبة الصغري، حيث کانوا يطاردون أولئک الذين يعرفون أن الحق الي جانبهم. و يعصون ما يفهمونه من الحکم الاسلامي الصحيح.

فان ناقشنا في المقدمة الثانية، و قلنا بشمول التجيس لکل عصر الغيبة الکبري. باعتبار المقابلة بين الفقرتين في الرواية. فانه (ع) يقول: أقرب ما يکون العباد الي الله عزوجل... اذا فقدوا حجته... و أشد ما يکون غضب الله علي أعدائه اذا افتقدوا حجته... الحديث. و حيث علمنا أن جانب الرضا شامل لکل عصر الغيبة، و غير خاص بأولها، نعلم أن جانب الغضب شامل لجميعها أيضا.

و هذا الکلام وجيه الي حد کبير، و مطابق مع التخطيط الالهي. لما عرفناه من أن التمحيص حين ينتج نتائجه النهائية في آخر عصر الغيبة الکبري. يکون الناس علي طرفين متناقضين: قلد شديدة الايمان قوية الارادة الي درجة عظيمة، و کثرة شديدة الانحراف و العصيان الي درجة کبيرة. فهذا هو ما تشير اليه هذه الرواية. اذ يکون القرب الالهي و الرضا عن أولئک القلة، و يکون الغضب الشديد علي المتطرفين، من هولاء الکثرة.

و أما من خلال هذا العصر، فمن الواضح، أن التمحيص کلما سار قدما و تصاعد درجة، ازداد ايمان المومنين و انحراف المنحرفين معا. و تصاعد الرضا و الغضب المشار اليه في الرواية، بشکل متدرج مقترن.



[ صفحه 390]



النقطة الثالثة:

قوله (ع) - في تلک الرواية -: و قد علم الله تعالي أن أولياءه لا يرتابون. و لو علم أنه ميرتابون لما غيب عنهم حجته طرفة عين. و هو تعبير ورد في عدة روايات. [7] .

نفهم من ذلک: أن الارتياب و الشک بوجود المهدي (ع) أثناء غيبته ناشي ء في واقعه من الانحراف و الفساد الموجود في هذا العصر، و أما لو خلي الفکر الانساني المستقيم و نفسه لما رقي اليه الشک.

و نحن و ان کنا قلنا أن طول الغيبة سبب للشک بحسب طبيعة البشر لکونها من الأمور غير المعهودة في ربوعهم. الا أن الشخص الذي يربط الأمور بمصدرها الحقيقي الأول، تبارک و تعالي، و يعرف قدرته الواسعة و حکمته اللانهائية، لا يستبعد عليه التصدي لحفظ شخص معين أمدا طويلا، لأجل تنفيذ العدل في اليوم الموعود أ بل يري أن ذلک لازم و متعين بعد قيام البرهان علي وجود الغرض الأصلي من الخليقة، و علي حقيقته. و انصار تحقق هذا الغرض بهذا الأسلوب. بحيث لو لم تکن هناک أي رواية تدلنا علي وجود المهدي، لکان اللازم علي الفکر الانساني ان يعترف به.

و انما الذي يمنع من ذلک، و يزرع في طريقه المصاعب و المتاعب، هو الانحراف الفکري، و خاصة اذا وجد لدي بعض القواعد الشعبية الذين بني مذهبهم علي الاعتزاز بوجوده و التسليم بامامته.

و من هنا نري أن أولياء الله الممحصين الذين ليس للفتن طريق الي قلوبهم و لا للضغط و الظلم طريق الي قوة ارادتهم... لا يرقي اليهم الشک في المهدي (ع). لأن العوامل النفسية و الموانع المنحرفة لذلک غير موجودة لديهم. فيبقون علي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، من الايمان بقدرته و حکمته، فيسلمون بنتيجة الدليل القطعي الدال علي وجود المهدي.

و من هذا المنطلق نعرف، أنه لو لم يکن الفکر الانساني مدرکا لذلک، بحيث أمکن سراية الشک الي أولياء الله تعالي... لما غيب الله عنهم حجته طرفة عين.



[ صفحه 391]



لاستلزامه نقصان الحجة أو بطلانها بالنسبة الي البشر، و هو مما لا يمکن أن يصدر من قبل الله تعالي، فانه ملازم مع أحد أمرين غير ممکنين: أما الغاء امامته أو تکليف البشر بالاعتقاد بها بدون دليل، و کلاهما مما لا يکون... فيتعين المحافظة علي ظهوره بالمقدار يثبت وجوده و تقوم به الحجة في الاسلام.

فان قيل: أنه اذا لم يغب الفرض الالهي الذي عرفناه منحرفا، لأنه يودي الي عدم تنفيذ اليوم الموعود. و هو محال، بعد تعلق الحکمة و المصلحة به لدي الله عز و جل.

قلنا: هذا صحيح، الا أن غيبته في الحقيقة ناتجة عما ذکر في الرواية من أن أولياء الله لا يرتابون... و هو الذي يعلمه الله تعالي منذ الأزل، فأسس تخطيطه منذ خلق الخليفة عليه. و أما القول: بأن الغيبة توجب الارتياب و نقصان الحجة علي اثبات وجود المهدي (ع)، فهو قول باطل، کما ذکرنا.

و لو فرض هذا القول تاما صحيحا احتاج الأمر الي أن ادخال تغييرات أساسية في التخطيط الالهي لليوم الموعود، و أدي بنا الي افتراضات غير واقعة في الخارج، مما نحن في غني عن افتراضها، بعد قيام الدليل القطعي علي خلافها.

هذا هو تمام الکلام في هذه النقطة الثالثة.

و به ينتهي الکلام في الجهة السادسة و الأخيرة من الفصل الثالث من هذاالقسم الثاني من هذاالتاريخ.

و بذلک ينتهي هذا الفصل أيضا. و به ختام هذا القسم الثاني من التاريخ. و الحمد لله رب العالمين.



[ صفحه 393]




پاورقي

[1] ص 83 و ما بعدها.

[2] أنظر المصدر المخطوط.

[3] ص 404.

[4] ص 277.

[5] لکن هناک بعد الظهورتمحيصا اضافيا يمنع من صدق هذه النتيجة صدقا مطلقا. علي ما سوف يأتي في التاريخ القادم.

[6] أنظر ص 447 و ما بعدها الي عدة صفحات.

[7] أنظر اکمال الدين المخطوط و غيبة النعماني، ص 84 - 83.