بازگشت

اطروحة خفاء الشخص


و هي الأطروحة التقليدية المتعارفة المرکوزة في ذهن عدد من الناس، و تدل عليه ظواهر بعض الأدلة علي ما سنسمع. و هي أن المهدي (ع) يختفي جسمه عن الأنظار، فهو يري الناس و لا يرونه، و بالرغم من أنه قد يکون موجودا في مکان الا انه يري المکان خاليا منه.

أخرج الصدوق في اکمال الدين [1] باسناده عن الريان بن الصلت، قال: سمعته يقول: سئل أبو الحسن الرضا (ع) عن القائم (ع)، فقال: لايري جسمه و لا يسمي باسمه.

و أخرج باسناده عن الصادق جعفر بن محمد (ع) في حديث: قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنکم شخصه و لا يحل لکم تسميته.



[ صفحه 32]



واخرج ايضا باسناده عن عبيد بن زرارة قال سمعت ابا عبدالله (ع) يقول: يفقد الناس امامهم فيشهد الموسم فيراهم و لا يرونه.

و هذه الاطروحة هي أسهل افتراض عملي لاحتجاب الامام المهدي (ع) عن الناس و نجاته من ظلم الظالمين، فانه في اختفائه هذا يکون في مأمن قطعي حقيقي من اي مطاردة او تنکيل، حيثما کمان علي وجه البسيطة.

و هذا الاختفاء يتم عن طريق الاعجاز الالهي، کما تم طول عمره لمدي السنين المتطاولة بالاعجاز ايضا. و کان کلا الامرين لاجل حفظ الامام المهدي (ع) عن الموت و الاخطار، لکي يقوم بالمسؤولية الاسلامية الکبري في اليوم الموعود.

و نحن نعلم بالديل القطعي في الاسلام اهمية هذا اليوم الموعود عند الله عز و جل و عند رسوله، فانه اليوم الذي يتحقق به الغرض الاساسي من خلق البشرية، علي ما سنعرف، و تتنفذ به آمال الانبياء و المرسلين، و تتکلل جهودهم بالنجاح، بوجود المجتمع العادل و انجاز دولة الحق. کما أننا نبرهن [2] علي ان الاهداف الالهية المهمة، اذا توقف وجودها علي المعجزة، فان الله تعالي يوجدها لا محالة، من اجل تحقيق ذلک الهدف المهم.

و اذا نعتقد - کما هو المفروض في هذا التاريخ - بولادة الامام المهدي (ع) المذخور لليوم الموعود، يتبرهن لدينا بوضوح کيف و لماذا تعلق الغرض الالهي بحفظه و صيانته، کما تعلق بطول عمره. فاذا کانت صيانته منحصرة باختفاء شخصه، لزم علي الله عزوجل تنفيذ هذه المعجزة وفاء بغرضه الکبير.

و تضيف هذه الاطروحة الاولي، قائلة: بان هذا الاحتجاب قد يزول احيانا، عندما توجد مصلحة في زواله: کما لو اراد المهدي (ع) ان يقابل شخصا من البشر لاجل ان يقضي له حاجة او يوجه له توجيها او ينذره انذارا. فان المقابلة تتوقف علي رويته، و لا تتم مع الاختفاء.

و يکون مقدار ظهوره للناس محدودا بحدود المصلحة، فان اقتضت ان يظهر للناس ظهورا تاما لکل رائي تحقق ذلک، و استمرت الرؤية بمقدار اداء غرضه من المقابلة.



[ صفحه 33]



ثم يحتجب فجاة فلا يراه احد، بالرغم من انه لم يغادر المکان الذي کان فيه. و اذا اقتضت ظهوره لشخص دون شخص تعين ذلک ايضا، اذ قد يکون انکشافه للاخرين خطرا عليه.

و علي ذلک تحمل کل اخبار مشاهدة المهدي (ع) خلال غيبته، حتي ما کان خلال الغيبة الصغري، و خاصة فيما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغري [3] بأن المهدي (ع) ظهر لعمه جعفر الکذاب مرتين؛ ثم اختفي من دون أن يعلم أين ذهب. فأنه يعطي ان الاختفاء کان علي شکل هذه الاطروحة.

و اما اخبار المشاهدة خلال الغيبة الکبري، فبعضها ظاهر في الدلالة علي ذلک، بل منها ما هو صريح به. بل ان بعض هذه الاخبار تتوسع، فتنسب الاختفاء الي فرسه الذي يرکبه و خادمه الذي يخدمه، بل حتي الصراف الذي يحول عليه شخصا لاخذ المال. [4] .

و اود ان اشير في هذا الصدد الي ان هذه الاطروحة في غني عما نبزه بعض مورخي العامة علي المعتقدين بغيبة المهدي (ع). من انه نزل الي السرداب و اختفي فيه و لم يظهر. کما سبق ان ناقشنا ذلک في تاريخ الغيبة الصغري [5] . و أن أخبار مشاهدة المهدي (ع) في کل من غيبته الصغري و الکبري مجمعة علي مشاهدته في اماکن اخري. و علي أي حال، فهذه الأطروحة في غني عن ذلک، لوضوح امکان اختفاء المهدي (ع) بشخصه في أي مکان، و لا ينحصر ذلک في السرداب بطبيعة الحال.

و سيأتي في الفصول الاتية، ما يصلح ان يکون تکملة للتصور المترابط للمهدي (ع) بحسب هذه الاطروحة.


پاورقي

[1] انظر الاخبار الثلاثة في المصدر المخطوط.

[2] انظر لمعجزة في المفهوم الاسلامي، مخطوط للمؤلف.

[3] انظر ص 314.

[4] انظر النجم الثاقب، ص 351.

[5] المصدر، ص 563.