بازگشت

مقابلته للآخرين


خلال غيبته الصغري و اسلوبه و اهدافه من ذلک.

کانت المقابلات مع المهدي عليهما السلام. تجري مع العديدين اللذين يعلم



[ صفحه 567]



من درجة اخلاصهم و ايمانهم أو من ظروفهم و اسلوب مقابلتهم انهم لن يصلوا الي ما يضر الامام المهدي عليهما السلام، أو يدلوا السلطات عليه.

و کانت المقابلات تجري في الغالب بطلب من الآخرين، يکونون مدة من الزمن بصدد البحث عن المهدي (ع) و تمني مقابلته. فيوفر لهم هذه الفرصة بنحو سري بالغ في التکتم و الحيطة. و يوصيهم في الغالب أن لا يصرحوا بما شاهدوا و يجعلوا ذلک مکتوما الا عن الخواص الذين يعلم الفرد بوثاقتهم و اخلاصهم.

و تجري غالب المقابلات، بعيدا عن السفراء الأربعة، في الديار المقدسة، أثناء موسم الحج. اما في المسجد الحرام نفسه، أو في بعض الأطراف علي ما سيأتي. و قلما تتم المقابلات في مکان آخر الا نادرا خاصة في بغداد، حيث وجود السفراء، و حيث العاصمة بسلطانها و عيونها واضوائها. علي حين ان الفرد في الحج،يحس بالتوجه الي الله و الانقطاع عن علائق الدنيا، خاصة في السفر علي وسائط النقل القديمة، التي کان الحاج عليها يحسب للموت حسابه و يوصي بوصيته قبل خروجه. هذا.. الا في بعض الموارد الاستثنائية التي تقتضي المصلحة وجودها في بغداد أو سامراء أو في أي محل آخر.

و من الطريف في بعض المقابلات، التي يوفرها المهدي (ع)، مع البعض، يقضي حوائجهم و يوجه اليهم تعليماته. الا انهم يبقون غافلين عن کونه هو المهدي (ع) غير ملتفتين الي ذلک. حتي ما اذا فارقهم و عملوا بتعاليمه، وانتج عملهم شيئا کبيرا مثيرا للعجب و الاعجاب



[ صفحه 568]



عرفوا ان ذاک هو الامام المهدي (ع).

و هذا النحو من المقابلات تتم حين يعلم المهدي عليه السلام ان الغاية التي يتوخاها و المصلحة التي يريد تحقيقها،تتم بدون الکشف عن شخصيته و حقيقته. و اما لو کانت المصلحة المتوخاه لا تتحقق الا بالافصاح عن هذا الواقع، کاقامة الحجة و عرض الاطروحة التامة الحقة عن غيبته و مستقبله، علي ما سنسمع تفصيله. فعندئذ لا بد أن تتم المقابلة مع التعارف بين الطرفين. و قد تستمر المقابلة يوما أو عدة أيام.

و نحن فيما يلي لا نتوخي سرد جميع المقابلات مع الامام المهدي (ع) و الا لطال بنا المقام، فانها عديدة کثيرة في تاريخنا. و انما نتوخي حصر الأهداف المتعددة من المقابلات بحسب الامکان، و نمثل لکل هدف بمثال واحد علي الأقل.

فان المهدي (ع)، کان يتوخي بحسب ما وردنا في التاريخ الخاص عدة غايات و مصالح من وراء توفير الفرص للآخرين لمقابلته. و هي تکاد تنحصر بالامور التالية:

أولا: اثبات وجوده بنحو حسي مباشر.

ثانيا: اقامة الحجة علي الامامة و قيادة الحاضر و المستقبل.

ثالثا: اعطاء و عرض الاطروحة التامة و البيان الکامل الحق لفلسفة غيبته و أهدافه في مستقبله.

رابعا: قضاء حوائج المحتاجين من الناحية المالية أو غيرها.

خامسا: ممازجة الناس، و اعطاوهم بعض التعليمات و تعليمهم بعض



[ صفحه 569]



الأدعية و الأذکار.

سادسا: قبض المال ممن حمله اليه. و ان کان الأغلب فيه جريانه عن طريق غيره،اذا لم يکن عن طريق أحد السفراء الأربعة، علي ما سوف يأتي. کما أن ذلک لم يکن هو الهدف الأساسي أو الوحيد من أي مقابلة معروفة، و لکنه قد يقترن بغيره من الأهداف.

و المهم من هذه الأهداف، من الناحية الاسلامية، هي الثلاثة الأولي و تليها الثلاثة الأخيرة. فلا بد من التعرض الي کل واحد من هذه الأهداف، و عرض بعض الأمثلة لکل واحد. معتمدين نفس هذا الترتيب الذي ذکرناه، مع العلم أن المقابلة قد تحقق أکثر من هدف واحد علي ما سنري. و سنحمل فکرة خلال ذلک، عن الأساليب العامة التي کان المهدي (ع) يتخذها للمقابلة، و سلامة أمره خلالها و بعدها.

الهدف الأول: اثبات وجوده بنحو حسي مباشر.

لکي يرجع المشاهد فيروي مشاهدته لمن يثق بايمانه و اخلاصه. و هذا الهدف يتوفر في کل مقابلة، لا يستثني منها شي ء. حتي تلک المقابلات التي يکون الاطلاع علي حقيقة المهدي (ع) بعد فراقه؛فانه بعد معرفة حقيقته عليه السلام، ينفتح مجال کبير للأخبار الحسي برويته و مقابلته.

و هذا هو مراده عليه السلام، حين قال لبعض من رآه-عام 268 -: يا عيسي ما کان لک أن تراني لو لا المکذبون القائلون بأين هو. و متي کان. و أين ولد.و من رآه. و ما الذي خرج اليکم منه. و بأي



[ صفحه 570]



شي ء نبأکم. و أي معجزاتکم.. يا عيسي فخبر أولياءنا ما رأيت. و اياک أن تخبر عدونا فتسلبه. قال: فقلت: يا مولاي أدع لي بالثبات.فقال: لو لم يثبتک الله مارأيتني. [1] .

و واضح جدا من هذا ان الهدف الأساسي الذي أراده المهدي (ع) من هذه المقابلة، هو اقامة الدليل الحسي علي وجوده، ضد الشبهات التي کانت و لا زالت تثار من قبل الآخرين من أهل الاسلام بما فيها السلطات و ألمنتفعين منها.

و المهم أن لا يسري التشکيک الي قلوب المومنين به الموالين له. فتکون هذه المقابلة، و الخبر الذي يحمله کل من رآه عليه السلام دليلا حسيا مباشرا علي وجوده. خاصة بالنسبة الي أولئک الذين يعيشون في أطراف البلاد الاسلامية، و لا يمکنهم ان يصلوا الي السفراء أو يحصلوا عن طريقهم علي التوقيعات.

و يمکننا أن نلاحظ في هذا النص أمرين:

أحدهما: کيف أن المهدي (ع) يعيش علي مستوي معرفة الأحداث الاجتماعية و الاطلاع عليها، و التجارب مع آمالها و آلامها. انه يحمل هم المستوي العقائدي لمواليه، بکل جد و اهتمام. من حيث التعرف عليه و الاعتراف بوجوده و امامته.

ثانيهما: ان کل من يفوز بلقائه، لا بد أن يکون من أعلي مستويات الاخلاص و الايمان. و هو المستفاد من قوله (ع): لو لم يثبتک الله ما



[ صفحه 571]



رأيتني. وليس ذلک ما يتوفر للفردالعادي الخائض بالشبهات و الراکض وراء المصالح. فانه مضافا الي انه ليس أهلا لذلک، فانه يشکل نقطة خطر في الکشف عن الامام المهدي (ع) و الدلالة عليه.

الهدف الثاني: اقامة الحجة علي وجوده.

و انه هو المهدي القائم صاحب الأمر و صاحب الزمان، المنتظر الذي ذخره الله تعالي ليومه الموعود، يوم يملأ الأرض قسطا وعلالا کما ملئت ظلما و جورا.

و هذا المعني موجود في أکثر مقابلاته عليه السلام ان لم يکن کلها. و السر في ذلک واضح: فان شکله غير معروف للقاصدين. و مجرد دعوي أنه المهدي غير قابلة للتصديق. و انما يحتاج کل من يقابله بغير معرفة سابقة، الي دليل يشهد للمهدي عليه السلام علي ثبوت حقيقته و صدق مدعاه. شأنه في ذلک -الي حد کبير- شأن النبي (ص) حين کان يستدل علي نبوته بالحجج و المعجزات. بل ان حال المهدي عليه السلام لأشد تعقيدا. فان کل نبي حين يقيم بعض المعجزات، فانه يظهرها للناس و يکشفها أمام المجتمع، فتأني أمام الملأ صريحة واضحة يومن بها کل من يراها، اذا کان له قلب و ألقي السمع و هو شهيد..و تکون علنية تنتقل الي غير المشاهدين بالتواتر. أما الامام المهدي (ع) فهو مضطر بالنسبة الي کل فرد يقابله الي أن يقيم الحجة علي اثبات شخصيته و حقيقته.. علي انفراد. و لا مجال له بطبيعة الحال الاکتفاء بالعجزات التي أقامها تجاه فرد، ان يعتبرها سارية المفعول تجاه فرد



[ صفحه 572]



آخر کما واضح.

و الحجج التي يقيمها المهدي عليه السلام لمن يقابله من الناس، علي قسمين: اما أن تکون من قبيل علم الغيب، بالمعني الذي نومن بامکانه بالنسبة الي الأمام، کما سبق أن بيناه. و اما أن تکون شيئا آخر من قبيل التصرف في بعض الامور التکوينية، کجعل الحصاة ذهبا و نحو ذلک. و هذا أيضا نقول بامکانه للنبي و الامام عند لزوم اقامة الحجة علي اثبات الحق، علي بحث و تفصيل موکول الي محله من بحوث العقائد الاسلامية.

و بمثل هذه الحجج، يعرف الفرد ان الذي قد قابله هو الامام المهدي عليه السلام، لو لم يکن قد عرفه أثناء مقابلته. و من هنا يقع الکلام في نقاط ثلاث:

النقطة الأولي: اقامة الحجة، عن طريق اظهار علم الغيب لمن يقابله عليه السلام.

فمن ذلک: ما ورد في خبر عيسي بن مهدي الجوهري الذي قصد الفحص عن الامام المهدي (ع) و أراد مقابلته. و کان هذا الرجل مسبوقا بمرض اشتهي فيه المسک و التمر. فلما ورد المدينة عام 268 في سفره للحج، دعاه خادم الي مقابلة الامام المهدي (ع) و سماه باسمه الکامل.

قال الراوي: فکبرت وهللت و أکثرت من حمد الله عزوجل و الثناء عليه. فلما صرت في صحن القصر رأيت مائدة منصوبة. فر بي الخادم اليها فأجلسني عليها. و قال لي: مولاک بأمرک أن تأکل ما



[ صفحه 573]



اشتهيت في علتک و أنت خارج من «فيد».

فقلت: حسبي بهذا برهانا. فکيف آکل و لم أر سيدي و مولاي. فصاح بي -يعني الامام المهدي (ع): يا عيسي! کل من طعامک فانک تراني. فجلست علي المائدة فنظرت فاذا عليها سمک حار يفور. و تمر الي جانبه أشبه التمور بتمورنا. و بجانب التمر لبن. فقلت في نفسي: عليل و سمک و تمر و لبن!؟. فصاح بي: يا عيسي! أتشک في أمرنا؟ أفأنت أعلم بما ينفعک و يضرک؟. فبکيت و استغفرت الله تعالي و أکلت من الجميع. و کلما رفعت يدي منه لم يتبين موضعها فيه. فوجدته أطيب ما ذقته في الدنيا.

فأکلت منه کثيرا، حتي استحييت، فصاح بي: ا تستح يا عيسي فانه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوق. فأکلت فرأيت نفسي لا ينتهي عنه من أکله. فقلت: يا مولاي حسبي.فصاح بي: أقبل لي. فقلت في نفسي:آتي مولاي و لم أغسل يدي! فصاح بي: يا عيسي و هل لما أکلت غمر. فشممت يدي و اذا هي أعطر من المسلک و الکافور..الي آخر الحديث. [2] .

و من ذلک: ما روي عن الحسن بن الوجناء النصيبي. قال: کنت ساجدا تحت الميزاب في رابع أربع و خمسين حجة بعد العتمة. و أنا أتضرع في الدماء. اذ حرکني محرک. فقال: قم يا حسن بن الوجناء قال: فقمت،فاذا جارية صفراء نحيفة البدن. أقول انها من أبناء



[ صفحه 574]



الأربعين فما فوقها. فمشت بعين يدي و أنا لا أسألها عن شي ء، حتي أتت بي دار خديجة صلوات الله عليها. وفيها بيت -يعني غرفة-بابه في سط الحائط. و له درجة ساج يرتقي اليه. فصعدت الجارية.

و جاء في النداء: اصعد يا حسن، فصعدت، فوقفت بالباب. وقال لي صاحب الزمان (ع): يا حسن أتراک خفيت علي؟.و الله ما من وقت في حجک الا و أنا معک فيه. ثم جعل يعد علي أوقاتي. فوقعت علي وجهي. فحسست بيده قد وقعت علي فقمت..الي آخر الحديث. [3] .

و هنا يمکن أن يقال: ان اخبار المهدي (ع) لابن الوجناء، بأوقات حجه، کان عن مشاهدة لا عن غيب، باعتبار انه کان موجودا معه فعلا، و ان لم يعرفه الرجل. الا ان دلالة الجارية علي مکانه و اعلامها باسمه يکفي في اقامة الحجة لا محالة. الا أن الوجناء نفسه اقتنع بان کلام الامام المهدي (ع) معه، لم يکن بألامر الطبيعي، بل کان علما ميتافيزيقيا غيبيا. و اعترف بکونه حجة کافية عليه، کما يدل عليه وقوعه علي وجهه.

يبقي سوال جانبي، و هو ان هذا الخبر دال علي أن ابن الوجناء رأي الجارية، بحيث استطاع أن يصفها بنحو لا يخلو من دقة. فکيف جاز له بحسب الشرع الاسلامي. و المفروض انه من الأشخاص الأخيار القابلين لمقابلة المهدي (ع).



[ صفحه 575]



و جواب ذلک يکون من وجوه أهمها اثنان:

أولا: ان هذا الوصف يکفي فيه روية الوجه، و هيئة الجسد العامة. و کشف الوجه جائز في الاسلام،بمقتضي فتاوي کثير من الفقهاء. و تکون هذه الرواية دليلا عليه، لو صحت مستندا للحکم الشرعي.

ثانيا: اننا لو تنزلنا جدلا عن الوجه الأول، فيمکن افتراض کون هذه الجارية مملوکة للامام المهدي (ع). و من الواضحات في الشرع جواز النظر الي الجارية مع اذن مالکها. و مجرد الاحتمال بهذا المصدر يکفينا لتبرير العمل من الناحية الشرعية.

النقطة الثانية: اقامة الحجة، عن طريق اظهار المعجزة، بالتصرف ببعض الأمور التکوينية.

فمن ذلک: ان رجلا يدعي بالآودي أو الأزدي، کان عند ادائه الطواف، و کان قد طاف ستا و بقي عليه الطواف السابع. رأي عن يمين الکعبة شابا حسن الوجه طيب الرائحة هيوبا و مع هيبته متقرب الي الناس. قال الراوي: فتکلم فلم أر أحسن من کلامه و لا أعذب من منطقه، في جلوسه. فذهبت اکلمه، فزيرني الناس. فسألت بعضهم: من هذا؟ فقال: ابن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، يظهر للناس في کل سنة يوما لخواص شيعته فيحدثهم و يحدثونه. فقلت: مستر شد أتاک فارشدني هداک الله.

قال: فناولني حصاة. فحولت وجهي. فقال لي بعض جلسائه:



[ صفحه 576]



ما الذي دفع اليک ابن رسول الله. فقلت: حصاة. فکشفت عن يدي فاذا أنا بسبيکة من ذهب. و اذا أنا به قد لحقني فقال: ثبتت عليک الحجة و ظهر لک الحق و ذهب عنک العمي. أتعرفني! فقلت: اللهم لا. فقال المهدي (ع): أنا قائم الزمان..الي آخر الحديث، [4] حيث يعطيه البيان الحق و الاطروحة الصحيحة لغيبته باختصار. کما يأتي في الهدف الثالث من مقابلته (ع).

يتضح من هذا الخبر بجلاء، انه کان من عادة الامام المهدي (ع) في غيبته الصغري قبل عام الثلاثمائة، انه حينما يحج يجتمع بالخاصة من الحجاج و يمازجهم و يتکلم معهم، و يعطيهم ما أراد من التعاليم و التوجيهات. الا أنه لا دليل علي معرفتهم له علي حقيقته. و انما کانوا يعرفونه باعتباره ابن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم. و معه قد يعرف بعضهم حقيقته و قد لا يعرفون. و قد خص عليه السلام، هذا الرجل بکشف حقيقته له. لکي يظهر الحق له و يبلغه الي اخوانه الآخرين.

النقطة الثالثة: اقامة الحجة لمن لا يعرفه عند المقابلة. و لا يلتفت اليه الفرد الا بعد مفارقته.

فمن ذلک: الرسالة الشفوية التي أرسلها المهدي (ع)، مع أبي سورة بعد ان رافقه في السفر من دون أن يعرفه. ثم قال له: أمض الي أبي الحسن علي بن يحيي فاقرأ عليه السلام، و قل له: يقول لک الرجل ادفع الي أبي سورة من السبع مائة دينار التي مدفونة في موضع کذا



[ صفحه 577]



و کذا مئة دينار.

فمضي أبو سورة من توه و ساعته،الي دار علي بن يحيي. فدق الباب. فقيل له: من هذا؟. فقال: قولي لأبي الحسن. هذا أبو سورة. فسمعه يقول: ما لي و لابي سورة.

قال الراوي: ثم خرج الي. فسلمت عليه و قصصت عليه الخبر. فدخل و أخرج الي مئة دينار. فقبضتها. فقال لي: صافحته؟ فقلت: نعم. فاخذ بيدي، فوضعها علي عينه و مسح بها وجهه. [5] .

انظر لهذه الرسالة الشفوية، التي أقام فيها المهدي (ع) الحجة بدون أن يعلم أبو سورة، و انما ينکشف صدقها عند ايصالها. و قد عرفف ابن يحيي ذلک. حتي أنه تبرک باليد التي لا مست يد الامام المهدي (ع).

و سيندرج هذا الخبر أيضا في توزيع المهدي (ع) للمال و قضائه لحوائج الناس.

فهذه هي النقاط الثلاث التي ينقسم اليها الهدف الثاني.

الهدف الثالث: من مقابلة المهدي (ع) للآخرين:

اعطاوهم الاطروحة الصحيحة الکاملة لفلسفة غيبته و البيان الحق لأهداف مستقبله. لکي يحملها الفرد الي أبناء عقيدته و اخوانه و يثقفهم بما سمعه من الامام المهدي (ع)، من تعاليم.

و قد سبق أن سمعنا في القسم الأول من هذا التاريخ، من الامام العسکري عليه السلام، حين کان يعرض ولده المهدي (ع) علي



[ صفحه 578]



الآخرين، انه بين مثل هذا البيان عدة مرات، اهمها بيانه المفصل لأحمد بن اسحاق الأشعري. الا أن المرة و المرات القليلة، لا تکفي في توجيه القواعد الشعبية الموسعة، بل لا بد من تکرار ذلک و تأکيده. و بخاصة حين يقترن الموضوع بامور توجب غرابته في الأذهان و بعده عنها، فلا بد أن يتصدي المهدي (ع) بنفسه في اثناء مقابلاته لبيان ذلک. بنحو مختصر حينا و مفصل احيانا.

و لو تعمقنا قليلا، لرأينا أن نفس عرض هذا البيان، من قبل الامام المهدي (ع) کاف في أقامة الحجة علي صدقه بأنه هو المهدي. بل انه ليربو في الأثر علي المعجزات التي سبق أن أشرنا اليها، من حيث التأثير المنطقي الدقيق. فان العرض الحقيقي الکامل لمسألة الامام المهدي، بما تکتنفه من مشکلات و عوائق، و تذليل جميع ذلک بالبينه و البرهان، لهو اقوي دليل علي صدقه و اخلاصه. علي حين لم يکن مسبوقا ببيانه من أحد الا من قبل الأئمة الماضين آبائه عليهم السلام.

فالمهدي (ع) حين کان يبين اطروحته الکاملة، لم يکن ابدأ في مستوي أقل من مستوي المعجزات التي يقيمها في الموارد الاخري.

فمن ذلک ما بينه الامام (ع)، للآودي حين أعطاه حصاة فتحولت في يده الي ذهب، کما سبق. قال له: انا قائم الزمان،أنا الذي أملوها عدلا کما ملئت جورا. ان الأرض لا تخلو من حجة، و لا يبقي الناس في فترة. فهذه أمانة في رقبتک فحدث بها أشقائک من أهل الحق. [6] .



[ صفحه 579]



و منه ما بينه (ع)، لا براهيم بن مهزيار حين قابله في بعض أطراف مکة، و قال له فيما قال: اعلم يا أبا اسحاق! أنه -يعني الامام العسکري (ع) -قال صلوات الله عليه: يا بني، ان الله جل ثناوه لم يکن ليخلي أطباق أرضه و أهل الجد من طاعته و عبادته، بلا حجة يستعلي بها و امام يوتم به و يقتدي بسبيل سنته و منهاج قصده.

و أرجو يا بني أن تکون أحد من أعده الله لنشر الحق و طي الباطل و اعلاء الدين و اطفاء الضلال. فعليک يا بني، بلزوم خوافي الأرض و تتبع أقاصيها. فان لکل ولي من أولياء الله عدوا مقارعا و ضدا منازعا، افتراضا لثواب مجاهدة اهل نفاقه، و خلافة اولي الالحاد و الفساد، فلا يوحشنک ذلک. [7] .

و منه: ما بينه (ع) في الدعاء، و ما أکثر ما في الدعاء من حکم و فوائد. حيث قال: اللهم صل علي وليک المحي لسنتک و القائم بامرک الداعي اليک الدليل عليک، و حجتک علي خلقک، و خليفتک في أرضک و شاهدک علي عبادک.

اللهم أعز نصره و مد في عمره. و زين الأرض بطول بقائه. اللهم اکفه بغي الحاسدين و أعزه من شر الکائدين و ادحر عنه ارادة الظالمين و تخلصه من الجبارين.

اللهم اعطه في نفسه و ذريته و شيعته و رعيته و خاصه و عامته و عدوه و جميع أهل الدنيا، ما تقربه عينه و تسربه نفسه، و بلغه



[ صفحه 580]



أفضل أمله في الدنيا و الآخرة، انک علي کل شي ء قدير.

اللهم جدد يه ما محي من دينک، و أوحي به ما بدل من کتابک. و أظهر به ما غير من حکمک، حتي يعود دينک به و علي يديه، غضا جديدا خالصا مخلصا لا شک فيه و لا شبهة معه، و لا باطل عنده لا بدعة لديه.

اللهم نور بنوره کل ظلمة،و هد برکنه کل بدعة، و اهدم بعزته کل ضلالة، و اقصم به کل جبار و اخمد بسيفه کل نار، و اهلک بعدله کل جبار، واجر حکمه علي کل حکم، و أذل لسلطانه کل سلطان.

اللهم أذل کل من ناواه و أهلک کل من عاداه، و امکر بمن کادده و استأصل من جحد حقه و استهان بامره و سعي في اطفاء نوره و أراد اخماد ذکره. [8] .

فنري من هذه البيانات، أن المهدي (ع) يوکد علي عده امور:

الأمر الاول: الاشارة الي الحديث النبوي الشريف المتواتر، بان المهدي يملأ الارض قسطا و عدلا کما ملئت ظلما و جورا.

الأمر الثاني: القاعدة الالهية العامة التي تقتضي نصب الامام الذي يکون حجة علي عباده في کل زمان و مکان. و هي أن الارض لا تخلو من حجة، و لا يبقي الفاسد في فترة، يعني من دون امام. اذن فلا يمکن أن يمر الزمان من دون أن يکون لله عزوجل حجة علي خلقه. و معه فيتعين أن يکون الامام موجودا في کل زمان. اذن فيتعين وجود



[ صفحه 581]



الامام المهدي (ع) اثناء غيبته. اذ لو لم يکن موجودا لا نقطعت الحجة و حصلت الفترة.

الأمر الثالث: انه (ع) ذخره الله عزوجل لمستقبل الاسلام و أعده لنشر الحق وطي الباطل و اعلاء الدين و اطفاء الضلال. و هذه هي الاطروحة الحقة لمستقبل المجتمع المسلم عند ظهور المهدي (ع). و هو المراد من الحديث النبوي (ع): أنه يملأ الأرض قسطا و عدلا کما ملئت ظلما و جورا.

الأمر الرابع: الاشارة الي أنه يعيش أمدا طويلا، يقدره الله عزوجل، لأجل تنفيذ الوعد الکبير.

الأمر الخامس: الدعاء له بان ينجيه الله عزوجل من کيد الأعداء، و شر المعتدين. و ذلک لغرضين:

أولهما: استجابة الله تعالي لهذا الدعاء، و تحقق هذا المطلوب الکبير، لاجل اذخاره ليومه الموعود.

ثانيهما: اعطاء التوجيه للقاري، أو الداعي، بان يتسمي سلامة الامام المهدي (ع)، من الأعداء و بغي الظالمين و شر الکائدين. فيدعو الله تعالي بذلک، و هو لا شک يجيب دعاءه.

الأمر السادس: ان للمهدي (ع) القابلية الکاملة لقيادة المجتمع الاسلامي و دحر الاعداء و اقامة العدل الالهي الکامل. و هو المستفاد من قوله: اللهم نور بنوره کل ظلمة و هد برکنه کل بدعة، و اهدم بعزته کل ضلالة.



[ صفحه 582]



الأمر السابع: انه عليه السلام بعد ظهوره يجدد ما محي من الدين بفعل طول الزمن او تبديل المنحرفين و الظالمين، و ما غير من أحکام القرآن. حتي يعود العدل الاسلامي الصحيح و الدين الالهي علي يديه غضا جديدا خالصا مخلصا، لا شک فيه و لا شبهة معه، و لا باطل عنده و لا بدعة لديه.

الأمر الثامن: اظهار أقصي الحرمة و العقوبة، في معاداته أو انکار حقه أو مناوأته. سوداء في حال غيبته أو بعد ظهوره. و يشمل ذلک: الخروج علي تعاليم دينه و عصيان أوامر شريعته. فان مخالفة الدين مخالفة له، و مناوأته مناوأة له، بطبيعة الحال.

فهذه هي الأمور الأساسية في دعوته الکبري اثناء غيبته و بعد ظهوره. عجل الله فرجه.

يبقي أمران آخران واردان فيما ورد من کلماته عليه السلام، لا بد من ذکرهما و معرفة الوجه فيهما:

الأمر الأول: ما ورد في کلامه عليه السلام مع ابراهيم بن مهزيار و کلامه (ع) مع علي بن ابراهيم بن مهزيار، من أن أباه الکلام العسکري (ع) أمره بلزوم خوافي الارض و تتبع أقاصيها، و أن لا يسکن من الجبال الا وعرها و من البلاد الا عفرها.

و علل ذلک في حديثه مع ابراهيم بن مهزيار: بأن لکل ولي من أولياءالله عدوا مقارعا و ضدا منازعا. و في حديثه مع علي بن ابراهيم



[ صفحه 583]



بقوله: و الله مولاکم أظهر التقية فوکلها في، فأنا في التقية الي يوم يوذن لي بالخروج. [9] وکلاهما يعني الحذر من الأعداء: و الاتقاء من شرهم و الابتعاد من کيدهم أثناء غيبته، توصلا لحفظه لأجل تنفيذ اليوم الموعود.

و قد سبق أن قلنا أن للامام المهدي (ع) غني عن ذلک؛ بجهل الناس بشکله و نوعية حياته و عمله و مکانه،و قد أصبح هذا الأمر في الازمنة الخيرة واضحا. لوضوح استحالة تعرف أي شخص علي حقيقته ما لم يشأ هو ذلک.

ان افضل اسلوب للاختفاء هو جعل الحياة بسيطة واضحة عادية ليس فيها أي شي ء ملقت للنظر، تسير کما تسير حياة أي فرد آخر. و اما تعقيد الهارب الحياة علي نفسه، و تضييق السبل و الدخول في المواتف الصعبة و الاماکن الحرجة، فانها لا تزيده الا خطرا و لا تقربه الا من الشر فان عيون السلطات و الاعداء تحوم دائما حول الاماکن الشاذة التي قد يسکنها الهاربون، و الحياة المعقدة التي قد يتخذها الفارون. فتخليص النفس من هيئة الهارب و حياته، و اسباغ الحياة الطبيعية عليها، أفضل طريق للنجاة في أغلب الاحيان.

و لکننا-علي أي حال -اذا التفتنا الي العلة المذکورة لذلک و هو الحذر من الاعداء و الاتقاء من کيد المعاندين و المنحرفين. عرفنا ان هذا الحذر متي توقف علي ذلک، کان ذلک ضروريا لا محالة.



[ صفحه 584]



أعني: أن الحياة الطبيعية، و ان کانت في الغالب هي السبيل الأفضل لنجاة الهارب، الا أنها ليست دائما کذلک، لا محالة. فاذا واجه الهارب ظرفا لا تکتب له فيه النجاة ألا بالفرار الي البراري و الشعاب، کان ذلک ضروريا جزما.

و من هنا يمکن أن يکون أمر الامام العسکري (ع) لولده باختيار اقاصي الارض و وعرها مکانا له، مقيدا بقرينة التعليل، بما اذا کان هناک حاجة الي ذلک. و أما اذا لم يحتج الي ذلک ولم يکن من حضوره المواسم و الحواضر و الاتصال بالسفراء و الاختلاط بالناس خطر، کان ذلک ممکنا له لا محالة، ان لم يکن ضروريا له لممارسة نشاطه الاعتيادي الذي عرفناه.

الأمر الثاني: ما قاله (ع) برواية الشيخ بسنده عن الآودي، الذي عرفناه فيما سبق: أن الأرض لا تخلو من حجة، و لا يبقي الناس في فترة، أکثر من تيه بني اسرائيل و قد ظهر أيام خروجي. [10] .

و نحوه قوله لبعض مواليه: و ان تحبس نفسک علي طاعة ربک. فان الامر قريب ان شاءالله تعالي. [11] .

و هذا المعني بظاهره مقطوع العدم، بعد أن مضي علي ذلک التاريخ ما يزيد علي الألف عام،و لم يظهر الامام المهدي (ع). و معه لا بد من المصير الي رفض هذه الأخبار أو الي تأويلها.



[ صفحه 585]



أما الرفض فله مجال واسع، و ذلک: بان ندعي: ان العبارات التي تدل علي قرب الظهور، مدسوسة في هذه الأحاديث سهوا أو عمدا. و هذا - کما قلنا في مقدمة هذا التاريخ لا يعني طرح مجموع الخبر-.

و يقرب ذلک: أن خبر الآودي رواه الشيخ الصدوق في اکمال الدين بدون هذه الزيادة. [12] علي أن هذين الخبرين في أنفسهما ليسا صحيحين، بحسب القواعد، و فيهما رواة مجاهيل.

و اما التأويل، فله أيضا بعض المجال. و ذلک بان يقال: بان المهدي (ع) استعمل المجاز في کلامه، لاجل رفع معنويات أصحابه و مواليه. و اشعارهم بضرورة الانتظار في کل وقت؛ خاصة في مثل قوله (ع): و ان تحبس نفسک علي طاعة ربک فان الأمر قريب. و وجه المجاز هو أن يکون الزمان من حين صدور هذا الکلام الي حين الظهور قيامه (ع) بدولة الحق يعتبر قليلا، تجاه ما قاسته البشرية خلال عمرها المديد من آلام الظلم و الحيف و الاستبداد.

و علي أي حال، فهذه هي الخطوط العامة للاطروحة الکاملة التي يذکرها الامام المهدي (ع) لبعض من يقابله من الناس.

الهدف الرابع: قضاء حاجة المحتاجين من أصحابه.

قد عرفنا مفصلا، أن الامام المهدي (ع)، کان يقضي حوائج الناس، و يحل مشاکلهم و يدبر أمرهم عن طريق سفرائه الموکلين بهذا الأمر. و من هنا لم تکن هناک حاجة واضحة و کبيرة، لأن يتصدي



[ صفحه 586]



لقضاء حوائج الناس وحل مشاکلهم بنفسه عند مقابلته. ما عدا ما قد يراه من المصلحة أحيانا.

و ما يتصور تعلق المصلحة فيه من ذلک ينقسم الي أقسام ثلاثة: أحدها: حل المشاکل الفکرية و العقائدية. ثانيهما: حل المشاکل المالية و بذل العطايا لبعض الموالين. ثالثها: حل المشاکل الأخري، کالعائلية و الاجتماعية و غيرها.

اما القسم الأول فالمهم فيه ما سمعناه قبل قليل من عرض الاطروحة الحقة علي الآخرين. و حيث يکون الهدف الأساسي من المقابلة مکرسا حول ذلک، لا يبقي بعده أمر ذي بال.

و أما القسم الثاني: فسيأتي الحديث عنه، في حقل قادم عند عرض الشوون المالية للامام المهدي (ع).

و أما القسم الثالث: فلم نجد له نقلا تاريخيا يطابقه. اذن فحل المهدي (ع) للمشاکل العائلية و الاجتماعية و غيرها، کان مکرسا عن طريق السفراء، بما فيه الکفاية و لا حاجة للقيام به أثناء المقابلة، التي ينبغي أن تکرس لغرض آخر أعمق و أهم.

الهدف الخامس: ممازجة الناس و محادثتهم، و تزريق التعليمات و التوجيهات اليهم، بحسب ما هو المصلحة في کل وقت. و تعليمهم بعض الأدعية و الأزکار.

فمن ذلک: ما سمعناه من رواية الآودي أنه کان يظهر في کل سنة يوما لخواصه، فيحدثهم و يحدثونه. و ذلک في حدود عام الثلثمائة



[ صفحه 587]



کما سبق.

و من ذلک: انه عليه السلام في عام 293 بعد طوافه حول الکعبة خرج الي جماعة، لم يکن فيهم مخلص غير محمد بن القاسم العلوي علي ما سنسمع. فانهم بينما هو جلوس اذا رأوا شابا يخرج اليهم عليه ازاران و في يده نعلان. فلما رأواه قاموا له هيبة له، و جلس متوسطا فيهم.

ثم التفت يمينا و شمالا ثم قال: أتدرون ما کان أبو عبدالله عليه السلام يقول في دعاء الالحاح؟!. قال: کان يقول: اللهم اني أسألک باسمک الذي به تقوم السماء و به تقوم الأرض و به تفرق بين الحق و الباطل و به تجمع بين المتفرق و تفرق بين المجتمع. و به أحصيت عدد الرمال وزنة الجبال وکيل البحار. أن تصلي علي محمد و آل محمد، و أن تجعل لي من أمري فرجا.

ثم نهض و دخل الطواف. قال الراوي: فقمنا لقيامه، حتي اذا انصرف و انسينا أن نذکر أمره و أن نقول من هو أي شي ء هو؟. الي الغد في ذلک الوقت، فخرج علينا من الطواف، فقمنا له کقيامنا بالأمس، و جلس في مجلسه متوسطا، فنظر يمينا و شمالا، و قال: أتدرون ما کان يقوله أميرالمومنين عليه السلام بعد صلاة الفريضة، فقلنا: و ما کان يقول؟ قال: کان يقول: اليک رفعت الأصوات و عنت الوجوه و لک وضعت الرقاب و اليک التحاکم في الاعمال..الي آخر الدعاء.

ثم نظر بعد هذا الدعاء يمينا و شمالا، فقال: أتدرون ما کان أميرالمومنين عليه السلام يقول في سجده الشکر؟ فقلنا: و ما کان يقول؟..



[ صفحه 588]



فذکر لهم نص دعاء آخر. ثم قام و دخل الطواف. فقاموا لقيامه.

و هکذا جاءهم في اليوم الثالث، و نظر يمينا و شمالا، و علمهم نص دعاء آخر لعلي بن الحسين. قال الراوي: ثم نظر يمينا و شمالا، و نظر الي محمد بن القاسم من بيننا. فقال: يا محمد بن القاسم أنت علي خير ان شاء الله تعالي -و کان محمد بن القاسم يقول بهذا الامر. ثم قام و دخل الطواف. فما بقي منا أحد الا وقد ألهم ما ذکره من الدعاء..الي آخر الرواية. [13] .

فنري المهدي عليه السلام، هنا لا يتعرض الا لتعليم الدعاء و الخشوع لله عزوجل. و هو أمل مطلوب في الدين و متسالم عليه بين سائر المسلمين مخلصهم و منحرفهم علي السواء. و بذلک تجنب شر الجماعة غير المخلصين الموجودين في ضمن هولاء الناس. و لم يحصل منهم الي علي الاحترام و التقدير و التصديق به والانفعال بأقواله و أدعيته.

و لکن المهدي عليه السلام في نفس الوقت يحاول أن يحلل ذلک بالدعوة الي الحق الذي يراه، من حيث لا يشعر الآخرون. فيروي الادعية عن أئمة الهدي عليهم السلام، و يشير الي المخلص المومن به الموجود ضمن هذه الجماعة و يقول له أمام الجميع أنت علي خير ان شاء الله تعالي. ليفسح المجال للآخرين بالتفکير الجدي أنه بماذا أصبح هذا الرجل علي خير دونهم.

و هو في ذلک يتکلم کفرد اعتيادي، ليس له أي ميزة علي



[ صفحه 589]



الآخرين، سوي هذا العلم الذي يحمله و الروايات التي يقولها. و بذلک استطاع أن يدعو الي الاسلام الحق، من دون أن يقع في خطر أو أن يتوجه اليه نقد.

يبقي أن تعرف أنه عليه السلام حين کان يکثر من النظر الي اليمين و الشمال، انما کان يريد التأکيد من موقفه و عدم وجود ما يدل عليه أو من يعرفه أو من يشکل عليه خطرا بشکل من الاشکال، في حديثه هذا. لا انه کان خائفا بالفعل، و الا لکان في غني عن مواجهة هولاء الجماعة بمثل هذا القول.

و لم يکن ذلک الموقف مقتضيا التصريح بشخصيته، أو عرض شي ء من تعاليمه أو فلسفة غيبته أو اطروحة عمله. و ما ذلک الا لوجود المنحرفين غير المخلصين من هذه الجماعة..و انما عرفوا انه هو المهدي بعد أيام ببعض القرائن التي کانت لديهم. [14] .

فهذه هي الاهداف العامة الاساسية التي کان المهدي (ع) يتوخاها في مقابلاته للآخرين. و أما الهدف السادس و الاخير، و هو قبض المال ممن حمل اليه المال، فقد عرفنا مثاله من تسليم وفد القميين المال اليه من اول يوم من وفاة ابيه. و مورد تفصيل الکلام فيه هو الحقل الخاص بالامور المالية للامام المهدي.



[ صفحه 590]



تبقي هناک اهداف خاصة کان المهدي يتوخاها من وراء بعض المقابلات. تندرج تحت عنوانين رئيسيين، عرفنا امثلتهما فيما سبق فلا حاجة الي افاضة الکلام فيها.

احدهما: اجابه شخص اصر علي السفير الثاني رضي الله عنه ان يوفر له فرصة المقابلة مع الامام المهدي (ع). و هذا هو الذي رأي المهدي (ع). بزي التجار، [15] کما سبق ان سمعنا.

ثانيهما: تأنيب شخص منحرف علي انحرافه و سوء عمله، و لذلک عدة امثلة، فمنها موقفاه مع عمه جعفر بن علي اللذين عرفناهما في القسم الاول من هذا التاريخ، و موقفه مع محمد بن علي بن بلال الذي عرفناه مدعيا للسفارة زورا، اذ اشرف عليه المهدي عليه السلام من علو داره و امره بدفع ما عنده من الاموال الي العمري.

ووراء هذه الاهداف العريضة، امور ضمنية قد يتعرض لها المهدي في کلامه او يستهدفها في عمله، عند مقابلاته مع الآخرين. الا انها حيث کانت صغيرة الحجم و کثيرة العدد، فلا حاجة الي اطالة المقام ببيانها.


پاورقي

[1] انظر اکمال الدين المخطوط.

[2] البحار ج 13 ص 123.

[3] البحار ج 13 ص 112.

[4] الغيبة الشيخ الطوسي ص 152.

[5] غيبة الشيخ الطوسي ص 163.

[6] انظر غيبة الشيخ الطوسي ص 152 و اکمال الدين (المخطوط).

[7] انظر اکمال الدين (المخطوط).

[8] غيبة الشيخ الطوسي ص 170.

[9] الغيبة ص 161.

[10] الغيبة ص 152.

[11] الغيبة 154.

[12] انظر المصدر المخطوط.

[13] انظر غيبة الشيخ الطوسي ص 156 و ما بعدها.

[14] انظر غيبة الشيخ الطوسي ص 156 و ما بعدها.

[15] انظر تفصيل الحادثة في کتاب غيبة للشيخ الطوسي ص 164.