بازگشت

تعليق علي الاحداث


أود في ختام هذا الفصل ان أشير الي عدة نقاط مهمة، عسي أن تتجلي بعض جوانب الغموض فيما عرفنا من التاريخ.

النقطة الأولي: ان غيبة الامام المهدي عليه السلام، ليس لها مبدأ معين نستطيع ان نشير اليه. و انما الأمر هو الذي عرفناه من وجود الامام عليه السلام من حين ولادته، في جو من الکتمان و الحذر والاحتجاب، و حرص والده عليه السلام علي المحافظة البالغة عليه و عدم وصول خبره الي السلطة أو من يدور في فلکها أو من يلين أمامها، و لم يکن يعرض ولده الا علي الخاصة من أصحابه کما عرفنا.



[ صفحه 330]



و بقي نفس هذا المعني ساري المفعول، بعد وفاته عليه السلام، متمثلا في حرص الامام المهدي (ع) نفسه و حرص سفرائه و أصحابه في الکتمان و الحذر. و من الملاحظ في سيرة الامام المهدي (ع) انه کلما کان الزمان يمر کان يحجب نفسه عن أصحابه أکثر، فانهم کلما اعتادوا علي مقدار من الاحتجاب زادهم عليه شيئا قليلا..و هکذا. و هذا هو الملاحظ من حين ولادته في زمان ابيه الي آخر غيبة الصغري حين بدأت الغيبة الکبري، و بدأ الاحتجاب التام الا باذن الله عزوجل.

و سوف نناقش في مستقبل البحث، الخرافة القائلة بأن بدأ الغيبة کان من حين نزول المهدي عليه السلام الي السرداب، تلک الخرافة التي نفخ فيها جملة من المفکرين و ضخمها عدد من المورخين، و اعتبروها من المآخذ علي عقيده الامامية في المهدي. و سنري ان رواية واحدة مجهولة السند واردة في ذلک. علي اننا لو اعتبرناها اثباتا تاريخيا، فهي تنص علي انه خرج من السرداب امام الجلاوزة الذين کبسوا علي الدار..علي ما سنسمع.

مضافا الي ان الاعتقاد بذلک منضمن لمفهوم خاطي ة کاذب.. و هو ان المهدي (ع) و قبل نزوله الي السرداب لم يکن محتجبا و کان من المتيسر لکل الناس أن يروه. و کانت حادثة السرداب هي الحد الفاصل بين الظهور و الاحتجاب. وقد عرفنا بکل وضوح و تفصيل بطلان ذلک و عدم قيامه علي أساس، وقد حملنا فکرة کافية عن حرص والده علي حجبه و اخفائه، فلم يکن لحادثة السرداب أي أثر.



[ صفحه 331]



علي اننا سنعرف ان هذه الحادثة لا تصلح، من حيث وجودها التاريخي -لو صحت -أن تکون مبدأ للغيبة، فاننا سنعرف انها وقعت بفعل المعتضد العباسي، و قد استخلف عام 279 أي بعد وفاة الامام العسکري (ع) و بدأ عصر الغيبة الصغري..عصر امامة المهدي (ع) و قيادته للمجتمع بواسطة السفراء..بتسعة عشر عاما. فاسمع واعجب!!

النقطة الثانية: ان الامام المهدي عليه السلام، بدأ بنفسه عصر سفارته و وکالته، المسمي بعصر الغيبة الصغري..حيث استطاع ان يتصل بالمجتمع، متمثلا بوفد القميين، و يصرح لهم شفويا بتنصيبه للسفير. حتي يکون الناس علي بينه من أمرهم في نشاطهم و تصرفاتهم و أموالهم، و تکون الحجة قائمة، في هذا النص القانوني، علي صدق السفارة و السفير.

و لم يکن أمر السفارة غريبا علي اذهان الجماهير الموالية،بعد أن کان نظام الامامين العسکريين عليهما السلام قائما علي ذلک، وقد اعتاد الناس عليه و ألفوه. وقد عرفنا المخطط الذي سار عليه هذان الامامان (ع) لتعويد الناس و تأليفهم علي هذا النظام.

الا انه من الملاحظ ان الامام المهدي عليه السلام، اذ يوعز الي الوفد بحمل المال الي وکيله في بغداد..لا يسمي لهم شخصا معينا يکون هو الوکيل. و بذلک لعدم حاجتهم اليه. باعتبار ان هذا المال الذي کانوا يحملونه قد وصل الي الامام نفسه، و سوف لن يحملوا مالا



[ صفحه 332]



آخر قبل مضي عام من الزمن تقريبا، فان الوفد من کل بلد يکون عادة في کل عام مرة. فاذا جاءوا حينئذ فسوف يستطيعون التعرف عليه و السوال عن اسمه، و سوف يدلهم الکثيرون عليه.

اذن فغاية ما يستطيع هذا الوفد ان يبلغه الآن الي جماهير الموالين في سامراء و قم و غيرها من المدن، هو ان يعطيهم أصل فکرة الوکالة، و ضرورة الرجوع الي الوکيل في بغداد، و عدم لزوم البحث عن مقابلة المهدي (ع) بنفسه.

و أما اسم الوکيل، و تعيينه في عثمان بن سعيد العمري، فهذا ما يحتاج الي بيان آخر، و في الحق انه قد صدرت فيه عدة بيانات بعضها من الامام العسکري (ع) و بعضها من المهدي (ع) نفسه، علي ما سنسمع في القسم الثاني من هذا التاريخ.

النقطة الثالثة: ان مرکز الثق والادارة الاساسية للقواعد الشعبية الموالية اجتماعيا و اقتصاديا، ستنتقل بايعاز من الامام المهدي عليه السلام من سامراء الي بغداد. بالرغم من بقاء سامراء عاصمة للخلافة العباسية ما دام المعتمد في الحياة، تسعة عشر عاما اخري، و تنتهي بانتهاء حياته عام 279. ثم ينتقل مرکز الثقل في الخلافة أيضا الي بغداد، مع بدأ خلافة المعتضد بن الموفق بن المتوکل، في ذلک العام.

ان الوکيل منذ الآن، سيمارس نشاطه في بغداد، و ستحمل الأموال اليه هناک، و تخرج التوقيعات منه. و في ذلک ما لا يخفي من البعد عن الرقابة المباشرة للسلطات و عن الاحتکاک الدائم بالطبقة الارستقراطية



[ صفحه 333]



في العاصمة، من القواد الاتراک و غيرهم ممن يمثل خط الدولة علي طوله.

و لئن کان الامامان العسکريان قد فرضت عليها الاقامة الجبرية في سامراء و سياسة التقريب من البلاط و الدمج في حاشية الخليفة.. و کان الامامان لا يريدان اعلان الاحتجاج و اثارة النزاع..لئن کان ذلک فهو أمر خاص بحياتهما.. و اما بعد ان ذهبا الي ربهما العظيم صامدين صابرين، و آلت الامامة الي المهدي عليه السلام، و الثائر علي الظلم و الطغيان.. فقد آن لهذه السياسات المنحرفة ان تنتهي، ولهذا المخطط الحکومي أن يقف عند حده. ينبغي لوکلاء المهدي عليه السلام ان يواجهوا الجمهور متخلصين من هذا العب ء متحررين من هذا الاضطهاد..حتي يستطيعوا أن يمارسوا عملهم بشکل أفضل و بحرية أوسع. و بخاصه و ان موقفهم- بصفتهم وکلاء عن المهدي الغائب (ع) -تجعل موقفهم دقيقا و حرجا تجاه السلطة، و يزيد حراجة فيما اذا کانوا يمارسون عملهم في سامراء.

علي اننا ينبغي أن لا نبالغ في الحرية التي سيکتسبوها عند البعد عن العاصمة..انها حرية نسبية، بمعني ان حالهم في بغداد أحسن بقليل و اخفاء نشاطهم اسهل.و لکن الخط العام الذي کانت و لا زالت تمشي عليه الحکومة، موجود أيضا و هو مطاردة الجمهور الموالي و مراقبته و ابعاده عن الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية. فالحجز و الضيق بمعناه العام، لا تختلف فيه بغداد عن سامراء شي ء.

و هذه الحرية النسبية التي سيکتسبها الوکلاء في بغداد، ستبقي



[ صفحه 334]



سارية المفعول ما دامت بغداد بعيدة عن العاصمة.. ان تسعة عشر عاما يمر علي ذلک کفيل بترسخ الوکلاء اجتماعيا و التفات الجماهير الموالية حولهم..بحيث لن يکون لانتقال العاصمة الي بغداد، تارة اخري، اهمية ضد نشاطهم، کالاهمية التي ستکون فيما لو انتقلت العاصمة مع بدأ عصر الوکالة، أو وجدت الوکالة في قلب العاصمة.

و هذا کله يجري في النطاق الخاص، و أما السلطات الحاکمة، فسوف لن تکون مسبوقة بذلک، لما يحيط کل نشاط يقوم به الوکلاء من السرية و الرمزية، بشکل يشبه من بعض الوجوه ما رأيناه من الامامين العسکريين عليهما السلام.علي انه من المستطاع القول بان الوکلاء أضيق من الامامين (ع) نشاطا و أقل منهما رمزية، و ان کانوا أکثر منهما سرية و تسترا.و قد أوجبت هذه السرية تعذر تطبيق تلک السياسة القديمة علي الوکلاء، من قبل السلطات، بطبيعة الحال.

و أما علي المستوي الحکومي، فالحملة ضد المهدي عليه السلام و محاولة العثور عليه، ستبقي سارية المفعول عشرين عاما علي أقل تقدير، حتي بعد الانتقال الي بغداد. و لا تسأم الحکومة، من ذلک و لا تيأس..و ان استقطت وجوده القانوني و ميراثه عن نظر الاعتبار.و بالطبع، فانه مما يجدد عزمها و يثيرها، ما يبلغها، بشکل غير مباشر عن نشاط الوکلاء و ما تري من اعتقاد الجمهور الموالي بوجود المهدي عليه السلام و غيبته، و نيابه هولاء السفراء منه عليه السلام..و لکنها لن تستطيع النجاح..و سيحالفها الفشل..الي آخر الخط.



[ صفحه 335]



النقطة الرابعة: انناسبق ان عرفنا عدة حوادث و لم نعرف تاريخها المحدد. منها: توسل جعفر بن علي بالوزير عبيدالله بن خاقان، علي ان يجعل له مرتبة اخيه عليه السلام، و منها توسله بالمعتمد لتنفيذ نفس الغرض. و منها وقوف المهدي عليه السلام تجاه اطماع جعفر حين مطالبته بالارث، و منها: وقوفه عليه السلام مطالبا تنفيذ وصية جدته.

و من الموسف اننا لا نستطيع الوصول الي التحديد المنضبط لهذه الأمور، فانه من مناطق الفراغ في التاريخ علي أي حال. و انما غاية ما نتوحاه هو الالتفات، الي ما تقتضيه طبيعة الأشياء في ترتيب هذه الحوادث.

المظنون ان أولي هذه الحوادث وقوعا، هو مطالبة جعفر بن علي بالارث، فان مناقشات الارث تقع عادة في غضون الايام الأولي من وفاة المورث، و خاصة اذا کان أحدهم حريصا و مستعدا للمناقشة و الجدل، کجعفر نفسه.

و أما توسله الي السلطات، فقد کان بعد ان مضت مدة کافية ثبت فيها بالتجربة، عند جعفر، بان مخططه قد فشل و ان امامته قد رفضت لدي کل من اتصل به من جماهير الموالين و شيوخهم. و هذا ما يحتاج الي بعض الزمان، حتي يتمخض الجدل الذي قام بين الموالين حول اثبات ذلک أو رفضه، و نشر الموقف الذي اتخذه المهدي عليه السلام تجاه عمه، بينهم.

و حيث کانت السلطات هي الرکيزة الاساسية لجعفر في مخططه،



[ صفحه 336]



فقد لجأ اليها، مبتدئا بالوزير و منتهيا بالخليفة، لعلها تستطيع أن يفرض جعفرا علي الموالين فرضا. و قد عرفنا ما واجهه من عجز السلطات و رفضها لطلبه.

و علي أي حال فمن المستطاع القول ان هذه الحوادث الثلاث جميعا، قد حدثت خلال الأشهر الأولي المتعقبة لوفاة الامام العسکري عليه السلام في نفس عام 260.

و أما وفاة الجدة رضي الله عنها، فهو متأخر عن مطالبته بالارث، کما تدل عليه الرواية نفسها. [1] و لکنه علي أي حال غير محدد الموعد فلعله کان في نفس السنة و لعله کان في العام الذي يليه. و علي أي حال، فقد حصلت وفاتها في غضون ممارسة جعفر لنشاطه و اصراره علي دعاواه، قبل أن ييأس من تنفيذ مخططه و يرفع يده عنه و يتوب.

النقطة الخامسة: انه لا بد لنا من اجل حفظ الحقيقة و الموضوعية في البحث، أن نذکر ما أشرنا اليه قبل قليل، و هو أن جعفر، بعد ان مضي عليه زمان يمارس النشاط العدائي للامام المهدي و عائلته، و الممالي ء للسلطات الحاکمة، أيس من نجاحه و سيطر عليه الحق، فکبح جماح نفسه و ترک عمله و رفع اليد عن سلوکه المنحرف، و تاب الي الله تعالي من ذنوبه.

و عندئذ يخرج التوقيع من الامام المهدي عليه السلام في العفو عنه و التجاوز عن تقصيره، تطبيقا لقوله تعالي: فمن تاب من بعد ظلمه



[ صفحه 337]



و اصلح فان الله يتوب عليه أن الله غفور رحيم. [2] و قوله تعالي: و اني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدي. [3] .

يخرج هذا التوقيع بواسطة السفير الثاني: محمد بن عثمان بن سعيد العمري، جوابا علي سوال في ضمن عدة استفتاءات تقدم بها: اسحاق بن يعقوب الي الامام المهدي عليه السلام بواسطة هذا السفير. و کتب الامام عليه السلام فيما يخص جعفر قائلا:و أما سبيل عمي جعفر و ولده، فسبيل اخوة يوسف عليه السلام. [4] يشير بذلک الي عفو الله تعالي عن أخوة يوسف عليه السلام،بعد ان کانوا قد ناصبوه العداء و غرروا به، علي ما تحدث عنه القرآن. ثم عفا عنهم حين اعتذروا و «قالوا: تاالله لقد آثرک الله علينا و ان کنا لخاطئين. قال: لا تثريب عليکم اليوم، يغفر الله لکم. و هو أرحم الراحمين. [5] .

و هذا البيان من الامام المهدي عليه السلام، يدل علي العفو عن جعفر، لنفس السبب الذي عفي به عن اخوة يوسف، و هو اعتذارهم و رجوعهم الي الحق و توبتهم عما فعلوه.

و من الموسف ان لا يکون تاريخ هذا البيان معروفا بالتحديد و انما غاية ما نعرفه هو خروجه بواسطة الوکيل الثاني للامام المهدي عليه



[ صفحه 338]



السلام: محمد بن عثمان العمري المتوفي عام 305. [6] و أما تاريخ توليه الوکالة بعد ابيه فمجهول لجهالة تاريخ وفاة ابيه عثمان بن سعيد علي ما سنسمع. و من هنا لا نستطيع ان نحدد مقدار الزمان الذي استمر جعفر يمارس فيه نشاطه و لا الزمان الذي تاب فيه و صدر عنه العفو. غير انه کان قبل سنه 305. و هو تاريخ مديد غير محدد. و هذا من فجوات التاريخ الموسفة. و علي الله قصد السبيل.


پاورقي

[1] انظر الاکمال الدين (المخطوط).

[2] 39:5.

[3] 82:20.

[4] انظر الاکمال المخطوط.و تاريخ سامراء ج 2 ص 249 عن الاحتجاج. وفي الاحتجاج ص 283 ج 2 ط النجف عام 1386 قال: و سبيل ابن عمي جعفر. و هو خطأ تورطت فيه المطبعة.

[5] 12: 92-91.

[6] انظر هامش الاحتجاج ج 2 ص 282 عن خلاصة العلامة. و انظر الخلاصة: القسم الأول ص 149.