بازگشت

مقدمة المؤلف


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام علي النبي الأمين و سيد المرسلين و مولانا أبي القاسم محمد، و آله الطاهرين، صلي الله عليه و علي الأئمة الاثني عشر خلفائه الهادين المهديين.

لا ريب في أن ما عند المسلمين - بعد الکتاب المبين الذي هو الحبل المتين لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حکيم حميد - من السنة النبوية الأحاديث الشريفة المسندة المأثورة عن سيدنا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و عن عترته الطاهرة الذين هم أحد الثقلين اللذين أمرنا صلي الله عليه و آله و سلم بالتمسک بهما ثروة علمية کبيرة و تراث ضخم جليل مملوء من المعارف الحقيقتة و البرامج التربوية و التعاليم الأخلاقية و السياسية و الاجتماعية و اصول التقدم و الرقي و حقوق الانسان و الحرية و المدنية و غيرها من التعاليم الصحيحة السليمة و القواعد و الحکيمة و المناهج القيمة القويمة التي لو تمسکت البشرية بها ما سقطت في هاوية الفساد و الظلم و الاستکبار و الاستعباد و لم تقهر و لم يستضعفها جبابرتها



[ صفحه 6]



الاقوياء. [1] .



و لم يقع المسلمون فيما وقعوا فيه من الفساد الاجتماعي و التفرق و التخالف و التخاصم و غلبة الأشرار و سلطة الکفار و المعيشة الضنک الا للاعراض عن هذه المناهج الحکيمة الالهية و جهل بعضهم بقوة هذه التعاليم الرشيدة البناءة، و أخذهم بالبرامج الاستيرادية العلمانية الشرقية أو الغريبة فلم يکن حالهم ألا کحال تاجر، خزائنه مملوءة بالجواهر والأحجار الکريمة و هو غافل عنها و لا يعرف قيمتها و يشتري من غيره الرمال و الأحجار عوضا عن الجواهر بقيمتها و بذهاب عزه و مجده و حريته و استقلاله و لا يفتح خزائنه ليري أن مايوجد عنده من أنواع الجواهر لا يوجد في سوق من الأسواق و لا عند تاجر من التجار.

نعم قال النبي صلي الله عليه و آله و سلم: «ما من شي ء يقربکم من الجنة و يباعدکم من النار الا و قد أمرتکم به و ما من شي ء يقربکم من النار و يباعدکم من الجنة الا و قد نهيتکم عنه». [2] .

ان الاحاديث الشريفة تتضمن جميع ما يحتاج اليه الانسان، فيجب علينا الاهتمام بها بدراستها و التفقه فيها في الکليات و الجامعات و في المحاضرات و جميع



[ صفحه 7]



المناسبات و في الصحف و المجلات و الجرائد و الاذاعات و غيرها. وأيم الله أني لا أظن بأحد درس هذه الأحاديث و ما تحويه من العلوم و المعارف أن يعدل عنها الي غيرها، اللهم الا أن يکون في قلبه مرض.

و قد سعت السياسات التي لا تري من مصلحتها عناية المسلمين بالأحاديث و اهتمامهم بهذه الثروة العلمية و الأنظمة الحکيمة لاخفائها و ابعادها عن واقع حياة المسلمين عقيدة و سياسة و نظاما و أخلاقا، حتي صار المسلمون سائلين بعد ما کانو مسؤولين و خادمين بعد ما کانو مخدومين کما وصفهم بذلک النبي صلي الله عليه و آله و سلم بأنهم (يستخدمون و لا يستخدمون).

ففي البرهة الاولي من الزمان حدثت مصيبة المنع عن تدوين السنة و حدثت الي جانبها مصيبة الاسرائيليات و کان مثل کعب الأخبار بطلها الفذ من خواص ذوي السلطة و مرجعهم في تفسير القرآن و قصص الأنبياء و الاخبار عن الملاحم و المسائل المهمة الاخري.

هذا علي رغم أن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم لما رأي بعضهم مشغولا بقراءة کتاب من أهل الکتاب أو مطالعته قال: «لو کان موسي حيا لما وسعه الا اتباعي». [3] و علي رغم وجود امام مثل علي صلي الله عليه و آله و سلم الذي هو باب مدينة العلم بنص الرسول صلي الله عليه و آله و سلم و قوله فيه «علي مع الحق و الحق معه و لا يفارقه»، و علي رغم وجود عترته بينهم التي قال النبي صلي الله عليه و آله و سلم فيها و في القرآن: «انهما لن يفترقا حتي يردا علي الحوض».

و في الفترة الثانية التي بدأت من عصر بني امية و تکاملت في عصر بني العباس سيما المأمون جاءت السياسات الحاکمة المعارضة للقوانين الاسلامية التي



[ صفحه 8]



لا تسمح لأرباب هذه السياسات بسياساتهم الاستضعافية في الحکم و الادارة و المال و مايتعلق بالمسلمين و بيت ما لهم، جاءت بالفلسفة اليونانية بما يوجد فيها من الآراء الالحادية و المبادي ء التي لا تتفق في النهاية مع رسالة الله تعالي و هداية الأنبياء في معرفة الله تعالي و أسمائه الحسني و صفاته الکمالية و أفعاله الحکيمة، و ان أصر بعض المشتغلين بها علي التوفيق بين المدرستين.

مدرسة الانبياء و دعوتهم التوحيدية التي قررها و بينها القرآن بأحسن التقرير و أکمل التبيين و التي يتفق الکل عليها و علي اصولها القيمة القويمة فلم يختلفوا حتي في أصل واحد. و مدرسة الفلاسفة الذين اختلفوا في اصولهم اختلافا مسلکا مشخصا بمبادئه الفکرية و العملية و لم يهدوها الي حق اتفقوا عليه.

و قد اختلفت آراؤهم في المسائل المتعلقة بالمبدأ و المعاد حتي لعلک لم تجد اثنين منهم اتفقا علي رأي واحد في جميع هذه المسائل، فلکل منهم مسلک سلکه و طريق يذهب فيه اللهم الا المتمسکين منهم بحبل وحي الأنبياء و المعتمدين علي هدايتهم و هداية الأئمة المعصومين صلي الله عليه و آله و سلم ممن لم يغتروا بأقوال أصحاب الفلسة و لم يحضوا في مباحث لم يأذن الشرع الخوض فيها.

و من سبر کتبهم و اصطلاحاتهم يعرف أن منطق الفلاسفة و لغتهم غير لغة الأنبياء و المتشرعين بشرائعهم.

فالله الذي هو خالق الکل يفعل ما يشاء، و يبعث الرسل و يجازي العباد علي أفعالهم و يرزقهم، و يسمع دعاءهم و يستجيب لهم و هو موصوف بالصفات التي وصف هو تعالي نفسه بها، ليس هو ما أسماه الفلاسفة بالعلة الاولي التي لا يصح اطلاق أسماء الله الحسني عليها حقيقة مثل: الخالق و الرازق و الغفار و التواب... الخ،



[ صفحه 9]



الا بالتأويل و التسامح و التجوز، فليس في أسماء الله تعالي ما هو مرادف للعلة الاولي و لا ما مفهومه مفهومها أو مفهوم غيرها مما أطلقه کالفلاسفة الذين عبروا عن الله تعالي بالعلة الاولي.

کما يعلم أن مفهوم مثل الخالق و الخالقية و المخلوقية و نحوها الذي يبين به الفرق بين الله و بين ما سواء ليس مفهوم العلة و العلية و المعلولية الذي يدور عندهم عليه تبيين ربط الحادث بالقديم علي تفاصيل و بيانات مختلفة فلسفية مذکورة في کتب القوم.

و سواء أمکن التوفيق بين ما بنيت عليه دعوة الأنبياء و المعارف القرآنية و المأثورة عن أهل بيت الوحي و الذين هم عدل الکتاب و ما قرره حکماؤنا الاسلاميون الذين ثبتت استقامة طريقتهم و اعتمادهم في مسالکهم علي هداية الکتاب و السنة أم لم يمکن فلا ريب أن المسلمين في دور طويل و قرون متمادية اشتغلوا بالحث و الجدل حول مسائل لا يمکن أدراکها و الوصول الي حقيقتها و لم يکلفهم الشرع البحث عنها، و لم يستضيئوا فيها بأنوار القرآن و ما في الأحاديث من العلوم و المعارف حق الاستنارة و الاستضاءة.

و لو لا عناية جماعة من العلماء الأفذاذ و رجالات التفسير و الحديث و المعارف و الذين لم يتتلمذوا ألا في مکتب القرآن و الحديث و لم يغترفوا ألا من بحار علوم أهل البيت عليهم السلام و لم يسألوا الا أهل الذکر و لم يأخذوا الا من أولئک الذين علمهم من علم الله تعالي، و عندهم ما نزل ألي الرسل و ما نزل به الروح الامين الي النبي صلي الله عليه و آله و سلم لا ندرست آثار النبوة.

نعم هؤلاء الأعاظم هم تلامذة مدرسة الاسلام و مدرسة القرآن و مدرسة الرسول صلي الله عليه و آله و سلم و الامام أميرالمؤمنين و سائر الائمة عليهم السلام لهم علينا حق کبير عظيم،



[ صفحه 10]



فقد حفظوا الآثار و المعارف الاسلامية طول القرون و الأعصار حتي وصلت الينا و هي کيومها الأول و زمان بلاغها أقوم المعارف الحقيقية و الالهية و أتفنها.

هذا و في زماننا و من عهد قريب، افتتن المسلمون بالفلسفة المادية العلمانية الحديثة و مال اليها طائفة من المفتونين بالتمدن المادي العلماني العربي أو الالحادي الشرقي، فآمنت فئة بالاول و شرذمة باثاني، و کان وراء هذا الميل أيضا السياسات الاستکبارية الشرقية و الغربيه، فزينت بلسان عملائها ما حصل لغير المسلمين من الرقي الصناعي و التقدم التکنيکي، فظن بعضهم أن ذلک معلول لمبادئهم العلمانية، فأخذوا في ترويج الحضارات المادية و المبادي ء المارکسية و تشجيع الشباب علي رفض الآداب الاسلامية، و عمد عدد من الذين يعدون أنفسهم من أهل الثقافة و التنور الفکري، و من الذين کل ثقافتهم و تنورهم ليست ألا الخضوع المفرط أمام المدينة المادية و توهين المبادي ء الفکرية الاسلامية، عمدوا الي تفسير اصول الاسلام و مناهجه علي الاصول المادية حتي المارکسية الملحدة.

و بالجملة فقد قلب هؤلاء المتسمون بالمتنورين الامور في الادارة و السياسة و الاقتصاد و التربية و الفن و غيرها ظهرا لبطن، و کان بلاؤهم و فتنهم و ما يروجون من الضلالات باسم الثقافة بلاءا عظيما.

الا أن الاسلام بأحکامه البناءة الالهية قام في کل عصر و زمان في وجه الضلالات بکل أساليبها و ما زال يسجل انتصاراته في هذه المعارک الايديولوجية.

فکتابه العظيم کما کان في عصر نزوله يهدي للتي هي أقوم فکذلک هو في بعده و في کل العصور و القرون الي قرننا الخامس عشر هذا، و بعده الي آخر الدهر... يهدي للتي هي أقوم فهو دين الهي و وحي سماوي جاء للبشرية کلها في کل عصورها الي أن يرث الله الارض و من عليها.. دين جاء للبقاء و الخلود، لهداية



[ صفحه 11]



جميع الأمم و تحقيق العدل بينها، فهو لا يرضي بتسلط أمة علي أمة و لا بلد علي بلد، و لا قوم علي قوم، و لا ينظر مصلحة شعب...

جاء ليختم الحياة علي الأرض باقامة دولة العدل الالهي علي يدخاتم الأوصياء و الحجج، صلوات الله و سلامه عليه، ليکون الدين کله لله رب العالمين، و تکون الأمم کلها أمة واحدة، لا فرق بين أبيضهم أسودهم، و أحمرهم و أصفرهم.. کلهم أمام الحق سواء.

و واجب المسلمين - سيما علماء اليوم، و قد يئست البشرية من جميع المدارس و الايديولوجيات المادية و الأنظمة العلمانية، واجبهم - عرض مبادي ء الدين الحنيف الالهية علي البشرية الحائره و بيان ما فيه من الطاقات القوية الجامعة الکافلة لجميع ما تحتاج اليه مقتصرا علي مابين في الکتاب و السنة متعلما عن القرآن و النبي صلي الله عليه و آله و سلم و عترته الطاهرة عليهم السلام.

فيا أيها المسلمون کونوا شاکرين لهذه النعمة العظمي، و لا تکونوا عنها غافلين أو - و العياذ بالله - معرضين عنها أو کافرين (و لا تکونوا کالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، ان شر الدواب عند الله الصم البکم الذين لا يعقلون) [4] واتقوا من الالحاد في آيات الله و دينه قال الله تعالي (ان الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقي في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم أنه بما تعملون بصير) [5] فخوضوا في بحار هذه العلوم و استخرجوا ما فيها من الدرر الغالية، و عليکم بالسير و السياحة في رياضها التي عرضها أعرض من السماء



[ صفحه 12]



و الأرض فاقتطفوا من أزهارها الجميلة البهية و أثمارها الشهية الروحانية، و خذوا من هذا التراث الاسلامي ما به حياة روحکم و اصابة نظرکم و سلامة فکرکم و نظام معاشکم و دينکم و دنياکم و لا تبتغوا له بدلا، و کونوا من تلامذة مدرسة الحديث و خريجي مدرسة الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، و مدرسة أهل بيته و الائمة الصادقين من عترته عليهم السلام قال الله تعالي:

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و کونوا مع الصادقين). [6] .


پاورقي

[1] و لنعم ما قاله البعض من غير المسلمين في قصيدته التي يمدح بها نبينا العظيم صلي الله عليه و آله و سلم لعظمته الفذة المفردة في جميع جوانب العظمة و الحياة الانسانية الممتازة:



أني و أن اک قد کفرت بدينه

هل أکفرن بمحکم الايات



الي أن يقول:



و قواعد لو انهم عملوابها

ما قيدوا العمران بالعادات



من دونه الأبطال في کل الوري

من حاضر أو غائب او آت .

[2] الکافي، ج 2، ص 74، ک 5، ب 36، ح 2.

[3] تفسير القرطبي: ج 13، ص 355.

[4] الأنفال: 21 و 22.

[5] فصلت: 40.

[6] التوبة: 119.