بازگشت

هل يمکن للأمّة اختيار الإمام المعصوم


541 - روي الشيخ الصدوق؛ بإسناده عن عبد العزيز بن مسلم، قال: کنّا في أيّام عليّ ابن موسي الرضا عليه السلام بمرو، فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة من بدء مَقدَمِنا، فأداروا أمر الإمام وذکروا کثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت علي سيِّدي عليه السلام فأعلمته خوضان الناس، فتبسم عليه السلام ثمّ قال: ياعبدالعزيز بن مسلم، جهل القوم وخُدعوا عن أديانهم، إنّ اللَّه عزّوجلّ لم يقبض نبيّه صلي الله عليه وآله حتّي أکمل له الدّين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل کلّ شي ء، بيَّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحکام، وجميع ما يحتاج اليه الناس کملاً، فقال عزّوجل: «ما فرَّطنا في الکتاب مِنْ شي ءٍ» [1] ، وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره صلي الله عليه وآله: «اليومَ أکملتُ لکم دِينکم وأتممتُ عليکم نِعْمتي و رضيتُ لکم الإسلام ديناً» [2] ، فأمرُ الإمامة مِن تمام الدّين، ولم يمض عليه السلام حتي بيَّن لاُمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم، وترکهم علي قصد الحق، و أقام لهم عليّاًعليه السلام عَلَماً و إماماً، وما ترکَ شيئاً تحتاج اليه الأمّة إلّا بيَّنه، فمَن زعم أنّ اللَّه عزّوجلّ لم يُکمل دينه، فقد ردَّ کتاب اللَّه العزيز، ومَن ردَّ کتاب اللَّه عزّوجلّ فهو کافر، هل تعرفون قدر الإمامة ومحلَّها من الاُمّة فيجوز فيها اختيارهم؟!

إنّ الإمامة أجلُّ قدراً، و أعظم شأناً، و أعلي مکاناً، و أمنع جانباً، و أبعد غَوراً، من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يُقيموا إماماً باختيارهم، إنّ الإمامة خصَّ اللَّه عزّوجلّ بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرَّفه بها و أشاد بها ذِکره، فقال عزّوجلّ:«إني جاعلُک للناس إماماً» [3] فقال الخليل عليه السلام سروراً بها «ومِن ذُرِّيَّتي»؟ قال اللَّه تبارک وتعالي «لا ينالُ عَهدي الظالِمين»، فأبطلت هذه الآيةُ إمامةَ کلِّ ظالم إلي يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثمّ أکرمها اللَّه عزّوجلّ بأن جعلها في ذرِّيته أهل الصفوة والطهارة، فقال عزّوجلّ «و وَهبنا له إسحقَ و يعقوبَ نافِلةً و کُلاًّ جعلنا صالِحين - وَجَعَلناهم أئمّةً يهدُونَ بأمرِنا و أَوحَينا اليهم فِعل الخيرات و إقامَ الصلوة و إيتاءَ الزکوة وکانوا لنا عابِدين». [4] .

فلم يزل في ذُرِّيته يرثها بعض عن بعضٍ قرناً فقرناً، حتّي ورثها انبيّ صلي الله عليه وآله، فقال اللَّه عزّوجلّ: «إنّ أَولي الناس بإبراهيمَ لَلَّذين اتّبعوه وهذا النبيُّ والذّين آمَنوا واللَّه وليُّ المؤمنين» [5] ، فکانت له خاصَّةً، فقلّدها صلي الله عليه وآله عليّاً عليه السلام بأمر اللَّه عز وجل علي رسم ما فرضها اللَّه عزّوجلّ، فصارت في ذُرِّيته الأصفياء الّذين آتاهم اللَّه العِلمَ والإيمان لقوله عزّوجلّ «وقال الّذين اُوتوا العِلمَ والإيمانَ لقد لَبِثتم في کِتاب اللَّه إلي يَومِ البَعث فهذا يَومُ البعثِ و لکنّکم کُنتم لا تَعلَمون» [6] فهي في ولد عليّ عليه السلام خاصّة إلي يوم القيامة إذْ لا نبيَّ بعد محمّدصلي الله عليه وآله، فمن أين يختار هؤلاء الجهّال؟

إنَّ الإمامةَ هي منزلة الأنبياء و إرث الاوصياء.

إنّ الإمامة خلافة اللَّه تعالي وخلافة الرسول صلي الله عليه وآله، ومقام أميرالمؤمنين، و ميراث الحسن والحسين عليهم السلام.

إنّ الإمامة زِمام الدّين، و نِظام المسلمين، و صَلاح الدنيا، و عِزّ المؤمنين.

إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تَمامُ الصلاة والزکاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفَي والصدقات، و إمضاء الحدود والأحکام، ومنع الثغور والأطراف.

الإمام: يُحلُّ حلال اللَّه، ويحرِّمُ حَرام اللَّه، و يُقيم حدود اللَّه، و يَذبُّ عن دين اللَّه، ويدعو إلي سبيل ربِّهِ بالحکمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة.

الإمام: کالشمس الطالعة للعالم وهي في الأُفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.

الإمام: البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدُجي، والبلد القفار، و لُجج البحار.

الإمام: الماء العذب علي الظماء، والدالُّ علي الهدي، والمُنجي من الرَّدي.

الإمام: النار علي اليَفاع، الحارُّ لمن اصطلي به، والدليل في المهالک، مَن فارقه فهالک.

الإمام: السَحاب الماطر، و الغَيث الهاطل، والشمس المضيئة والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والرَوضة.

الإمام: الأمين الرفيق، والوالد الشقيق، والأخ الشفيق، و مَفزَع العباد في الداهية.

الإمام: أمين اللَّه عزّوجلّ في خلقه، و حُجّته علي عباده، وخليفته في بلاده، والداعي إلي اللَّه عزّوجلّ، والذابّ عن حرم اللَّه عزّوجلّ.

الإمام: هو المُطهَّر من الذنوب، المُبرَّأ من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم، نظام الدّين، وعزّ المسلمين، و غَيظ المنافقين، و بَوَار الکافرين.

الإمام: واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدلٌ، ولا له مِثل ولا نظير، مخصوص بالفضل کلّه من غير طلب منه ولا اکتساب، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب، فمن ذا الّذي يبلغ معرفةالإمام أو يمکنه اختياره؟!

هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحُلوم، وحارت الألباب، وحسرت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحکماء، وحصرت الخطباء، وتقاصرت الحلماء، وجهلت الألبّاء، وکلّت الشعراء، وعجزت الأُدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأنٌ من شأنه، أو فضيلة من فضائله، فأقرَّت بالعجز والتقصير، وکيف يوصف، أو ينعت بکنهه، أو يفهم شي ءٌ من أمره، أو يقوم أحد مقامه، أو يغني غناه، لا وکيف و أنيّ و هو بحيث النجم من أيدي المتناولين، و وصف الواصفين.

فأين الاختيار من هذا؟ و أين العقول عن هذا؟ و أين يوجد مثل هذا؟

ظنُّوا أنّ ذلک يوجدفي غير آل الرسول صلي الله عليه وآله، کذَّبتهم واللَّه أنفسهم ومنَّتهم الباطل، فارتقوا مرتقاً صعباً دحضاً تزلّ عنه الي الحضيض أقدامهم، و راموا إقامة الإمام بعقولٍ حائرة ناقصة وآراء مضلّةٍ، فلم يزدادوا منه إلّا بُعداً، قاتلهم اللَّه أ نّي يُؤفَکون.

لقد راموا صعباً، وقالوا إفکاً، وضلّوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في الحيرة إذ ترکوا الإمام عن بصيرة، وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم فصدَّهم عن السبيل وکانوا مستبصرين، رغبوا عن اختيار اللَّه واختيار رسوله الي اختيارهم، والقرآن يناديهم: «و ربُّک يَخلُق ما يَشاء و يَختار ما کان لهم الخِيَرةُ سُبحان اللَّهِ وتَعالي عمّا يُشرِکون». [7] وقال عزّوجلّ: «وما کانَ لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضي اللَّه و رسولُه أمراً أن يکون لهم الخِيَرة مِن أمرِهم». [8] وقال عزّوجلّ: «ما لَکم کيف تَحکُمون - أم لکم کِتابٌ فيه تَدرُسون - إنّ لکم فيه لما تَخَيَّرون - أم لَکم أيمان علينا بالغة إلي يَوم القِيامة إنّ لکم لَمَا تَحکُمون - سَلهُم أيُّهم بذلک زَعيم - أم لهم شرکاءُ فليأتوا بشرکائهم إن کانوا صادقين». [9] وقال عزّوجلّ: «أفلا يتدَبَّرون القرآن أم علي قُلُوبٍ أقفالها» [10] أم «طَبَع اللَّه علي قُلُوبهم فهم لا يَفقَهون». [11] أم «قالوا سَمِعنا وهم لا يَسمَعون - إنّ شرّ الدوابّ عند اللَّه الصُمُّ البُکمُ الّذين لا يَعقِلون - ولو عَلِم اللَّه فيهم خَيراً لَأَسمعهم ولو أسمَعهم لتولَّوا وهم مُعرِضون». [12] أم «قالوا سَمِعنا و عَصينا» [13] بل هو بفضل اللَّه يؤتيه مَن يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

فکيف لهم باختيار الإمام، و الإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينکل، معدِن القدس والطهارة. والنُسک والزَهادة، والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرَّسول، وهو نسل المطهّرة البتول، لا مَغَمز فيه في نَسَب، ولا يُدانيه دَنَس، له المنزلة الأعلي لا يبلغها ذو حسب، في البيت من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرَّسول، والرّضي من اللَّه عزّوجلّ، شرف الأشراف، والفرع من آل عبد مناف، نامي العلم، کامل الحلم، مُضطَلِع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر اللَّه، ناصح لعباد اللَّه، حافظ لدين اللَّه عزّوجلّ.

إنّ الأنبياء والأئمّةعليهم السلام يوفّقهم اللَّه ويؤتيهم من مخزون علمه وحکمته ما لا يؤتيه غيرهم، فيکون عِلمُهم فوق علم أهل زمانهم في قوله عزّوجلّ: «أفمَن يَهدي إلي الحقِّ أحقُّ أن يُتَّبع أمّن لا يَهِدِّي إلّا أن يُهدي فما لَکم کيف تَحکُمون». [14] وقوله عزّوجلّ: «وَمَنْ يُؤتَ الحِکمةَ فقد أوتي خَيراً کثيراً وما يَذَّکَّر إلّا أُولوا الألباب». [15] .

وقوله عزّوجلّ في طالوت: «إنّ اللَّه اصطفيه عليکم وزادَه بَسطةً في العِلم والجِسم واللَّه يؤتي مُلکَه مَن يشاء واللَّه واسِعٌ عَليم». [16] .

وقال لنبيِّه صلي الله عليه وآله: «وکان فَضلُ اللَّه عَلَيک عظيماً». [17] .

وقال عزّوجلّ في الأئمّة من أهل بيته و عِترته وذرِّيته صلوات اللَّه عليهم أجمعين «أم يَحْسُدُون الناسَ علي ما آتاهم اللَّه من فَضله فقد آتينا آلَ ابراهيمَ الکِتاب والحِکمة وآتيناهم مُلکاً عظيماً - فمنهم مَن آمن به ومنهم مَن صدّ عنه وکفي بجهنّم سعيراً». [18] .

إنّ العبد إذا اختاره اللَّه تعالي لأمور عباده يشرح لذلک صدره، و أودع قلبه ينابيع الحکمة، و ألهمه العلم إلهاماً، فلم يعيَ بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيد، موفَّق، مسدَّد، قد أمِنَ الخطأ والزلل والعثار، يخصّه اللَّه تعالي بذلک ليکون حُجّته البالغة علي عباده، وشاهده علي خلقه، «ذلک فَضل اللَّه يُؤتيه مَن يشاء واللَّه ذو الفَضل العظيم». [19] .

فهل يقدرون علي مثل هذا فيختاروه؟ أو يکون خيارهم بهذه الصفة فيقدّموه؟

تعَدَّوا وبيتِ اللَّه الحقَّ، و نَبَذوا کتابَ اللَّه وراءَ ظهورهم کأ نّهم لا يعلمون، وفي کتاب اللَّه الهدي والشفاء فنبذوه واتّبعوا أهواءَهم، فذَّمهم اللَّه ومقتهم وأتعسهم. فقال عزّوجلّ: «وَمَنْ أضلُّ مِمّن اتّبع هَويه بغَير هُديً مَن اللَّه إنّ اللَّه لا يَهدي القومَ الظالمين». [20] .

وقال عزّوجلّ: «فتَعساً لهم و أضلَّ أعمالَهم». [21] .

وقال: «کَبُرَ مَقتاً عند اللَّه وعند الّذين آمنوا کذلک يَطبع اللَّهُ علي کلِّ قَلبِ متکبِّرٍ جبَّار». [22] .

الآية الرابعة قوله تعالي: «فاستَجَبنا له فکَشَفنا ما به من ضُرٍّ وآتيناه أهلَه ومثلهم مَعَهم رَحمةً مِن عندِنا و ذِکري للعابِدين». [23] .


پاورقي

[1] الأنعام: 38.

[2] المائدة: 5.

[3] البقرة 124.

[4] الأنبياء: 73 و 74.

[5] آل عمران: 68.

[6] الروم: 56.

[7] القصص: 68.

[8] الأحزاب: 36.

[9] القلم: 42-37.

[10] محمّد: 24.

[11] التوبة: 93.

[12] الأنفال: 23-21.

[13] البقرة: 93.

[14] يونس: 35.

[15] البقرة: 269.

[16] البقرة: 247.

[17] النساء: 113.

[18] النساء: 53 و 54.

[19] الحديد: 21؛ الجمعة: 4.

[20] القصص: 50.

[21] محمّد: 8.

[22] غافر: 35.

[23] الأنبياء: 84.